|
أما الملاحظات فهي على ثلاثة مستويات: الأول: ((لقي هذا الجهد التفسيري (أي الايديولوجي) في العقود الأخيرة رواجا كبيرا وتطورا ملحوظا، فمنذ انطلاقته مع تفسير طنطاوي جوهري إلى بداية التسعينات مع دراسة ((الكتاب والقرآن)) لمحمد شحرور تنوع الخطاب الأيديولوجي التفسيري في أكثر مستوى إلا انه لم يبلغ درجة التطور النوعي)) !!(35). الثاني: تطورت العدة المعرفية المعتمدة من قبل رجال هذا التيار. فبعد الاستنجاد بالاستكشافات العلمية في الطب، والفلك، والكيمياء، والطبيعة تعدلت الاستفادة باتساع دائرتها لتشمل الألسنية، وعلم الاجتماع وعلم النفس، ولا يتوانى النيفر عن مؤاخذة شحرور لوقوعه ((في النزعة التوفيقية بين آيات قرآنية وبين ما أكدته العلوم الحديثة (36).
الثالث:
((إن التيار الأيديولوجي ـ رغم اختلاف تعبيراته ـ وتفاوت البعد فيه
عن المدونة التفسيرية السلفية، فيما طرحه من أسئلة وعالجه من قضايا
لم يختلف جوهريا عن تلك المدونة في المجال المنهجي … لقد عجزت
النماذج الأيديولوجية السبعة التي قدمناها عن القطع مع هذا الفهم،
وان لامس البعض مسائل كان يمكن أن تؤدي إلى معالجة تجديدية لمنهج فهم
النص)) (37). ولا أدري ما عسى المرء أن يقول في هذه الاتهامات ؟ بل من أين يبدا مع هذا لحشد كله ؟ وكيف يؤول في هذا الأمر الذي يشبه السجال ؟ ليس ثمة شك في أن من العسير مواصلة النقاش الهادئ مع النيفر، وهو الذي دأب على إثارة الضباب، وتعتيم الأجواء، عبر ((مانشيتاته) الجاهزة أسير تخبط منهجي بائس فلو جاريناه ـ جدلا ـ في تصنيفه لاتجاهات ما سماه ((المدرسة التراثية)) أليس من حق الآخرين أن يطالبوه بالمعايير التي اتبعها في هذا التصنيف، لكي يضع هذا في خانة والآخر في خانة أخرى … وهكذا ؟. فإذا ما صح ان يصنف الالوسي ضمن التيار السلفي مثلا، فبأي معيار يسوغ له مثلا ان يضع الأفغاني، محمد عبده، وابن باديس، وشلتوت... إلخ ضمن خانة ((السلفية المعاصرة)) ؟! اللهم إلا اذا كان النيفر يرمي من وراء ذلك حشر الفكر الإسلامي بكل تياراته في الإطار السلفي، وهذا ما يترشح من خلال أدبيات اليساريين والعلمانيين، على حد سواء. وبالقدر نفسه يستبد بنا العجب العجاب، ونحن نتفحص نماذج ما أسماه بالتيار الأيديولوجي ! فأين هي معالم الأيديولوجية في تفسير الجواهر لطنطاوي، وهو التفسير الأقرب الى المنهج العلمي ؟ وبأي المعايير حشر الكواكبي في التيار الأيديولوجي.. في حين كان ينبغي ان يصنف ضمن تيار المنار ؟. ومجاهدو خلق.. ما هي علاقتهم بمناهج التفسير ؟ لا سيما وانهم لا يمثلون أي ثقل فكري أو معرفي ؟! أما حكاية((شحرور)) وإسباغ المديح ـ ظاهرا أو ضمنا ـ فلا يعدو كونه تسطيحا فجا، إن لم يكن توظيفا لغايات بمنأى عن التفسير ومناهجه ؟! لقد كان قمينا بالنيفر ـ ومن يحذو حذوه في هذا الاتجاه ـ أن يوفروا على أنفسهم هذا العناء كله، ويعيدوا الأمور إلى نصابها. فبدلا ن هذا التصنيف غير المحايد، بل وغير النزيه في تصنيفاته.. أليس الأولى ان يرتب الدراسات القرآنية وفق المناهج المتعارف عليها، فالآلوسي وأضرابه يمثلون منهج الرأي، والسيد الطباطبائي المنهج الاحتجاجي، وطنطاوي المنهج العلمي، وسيد قطب المنهج الحركي، والخطيب المنهج الموضوعي..وهكذا، ان النزعة الانتقائية المقصودة ـ والتي حاول النيفر إخفائها وراء ستار ذرائعي بأن بحثه ليس عملا استقصائيا ـ تثير الشكوك حول نزاهة البحث..وإلا بأي مبرر يزج فيه النيفر أعمالا متهافتة، ويتجاوز نتاجات مشهود لها بالعمق والأصالة والتجديد، من أمثال: • الظاهرة القرآنية: مالك بن نبي • مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن: السيد محمد باقر الصدر (ولا يكفي ان يشيد الى هذا الجهد الخلاق إشارة عابرة في الهامش !). • كيف نتعامل مع القرآن: الشيخ محمد الغزالي. • القرآن والتاريخ: د. عبد العزيز كامل. • تفسير القرآن بالقرآن: د. كاصد الزيدي. • تفسير القرآن بالقرآن عند العلامة الطباطبائي: د. خضير جعفر. • الطباطبائي ومنهجه في تفسير الميزان: علي الالوسي. • القرآن والزمن: د. عماد الدين خليل. • القرآن وعلم النفس: د. محمد عثمان نجاتي. • عمارة السور القرآنية: د. محمود البستاني..إلخ. وفي هذا السياق نفسه، أغفل النيفر العديد من التفاسير، ,إذا ما احسنا الظن، فلعله لم يتمكن من الاطلاع عليها، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر (أيضا). 1ـ الاساس في التفسير: سعيد حوى. 2ـ نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم: الشيخ محمد الغزالي. 3ـ التفسير الكاشف: الشيخ محمد جواد مغنية 4ـ ترجمان القرآن: أبو الاعلى المودودي 5ـ مواهب الرحمن: السيد عبد الأعلى السبزواري. 6ـ آلاء الرحمن في تفسير القرآن: الشيخ محمد جواد البلاغي. 7ـ تفسير من وحي القرآن: السيد محمد حسين فضل الله. 8ـ التفسير الأمثل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي 9ـ تفسير النور: الشيخ محسن قرائتي 10ـ تفسير الشعراوي: الشيخ الشعراوي 11ـ التفسير المنير: د. وهبة الزحيلي. 12ـ التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: سميح عاطف الزين. 13ـ التفسير الشامل للقرآن الكريم: د. أمير عبد العزيز. 14ـ التفسير الحديث: محمد عزة دروزة. وتطول القائمة في هذا الباب، كما وتنسحب الملاحظة ((الانتقائية)) على ما أسماه بـ ((الحديثة)) التي حصرها في نطاق كل من: 1ـ أمين الخولي: (ت1386 هـ/ 1966م) مؤلف: ((مناهج التجديد في النحو والبلاغة والتفسير)) و((من هدي القرآن)) (ص: 118ـ 119). 2ـ عائشة عبد الرحمن: (1913ـ 1998م) وهي الشهيرة ببنت الشاطئ، لها ((القرآن وقضايا الإنسان)) و((الشخصية الإسلامية)) و((الأعجاز البياني للقرآن)). 3ـ محمد أحمد خلف الله: معاصر، توفي منذ سنوات / من مؤلفاته ((الفن القصصي القرآني في القرآن))، وهو أطروحة الدكتوراه التي رفضتها لجنة المناقشة عام 1947م، ولما تضمنته من أفكار خطيرة حول الثوابت. ويرى النيفر أن الخولي هو الذي أرسى البناء المنهجي التجديدي المعروف بـ (التفسير البياني للقرآن))، وكان محور هذا الضرب من التفسير هو إظهار الإعجاز البلاغي للقرآن (39). ومدخل التجديد عند الخولي والمدرسة الحديثة كلها يتحدد في وظيفة المفسر أولا و في مكانة النص المفسر ثانيا.. مع ضرورة الاستفادة من علمي النفس والاجتماع (40). أما الدكتورة عائشة عبد الرحمن (تلميذة الخولي وزوجته) فقد واصلت المنهج المقترح من قبل الخولي غير أنها في ((التفسير البياني للقرآن)) تعاملت مع النص القرآني على انه نص لغوي متكامل يفسر بعضه بعضا، لهذا حملت على المفسرين القدامى الذين لم يراعوا العلاقة بين خصوصية المفردات والتراكيب اللغوية، والجو الداخلي للنص (41). ولئن كانت نتاجات د. عائشة عبد الرحمن، قد أرست المدخل المنهجي لكل مفسر، على الأساس اللغوي الأدبي، فإن تلميذ الخولي ((خلف الله)) ذهب به التوظيف المنبهر بعلمي الاجتماع والنفس، إلى مديات بعيدة أثارت عليه حفيظة القوم، و بخاصة انه تعامل مع القرآن الكريم كما يتعامل مع أي نص آخر، وهذا ما قده إلى القول بأنه بوجود قصة أسطورية في القرآن ! و((إن الأخبار الواردة في القرآن هي مواعظ وحكم وأمثال تضرب للناس، ومن هناك يصبح من حق العقل البشري، أن يهمل صفتها الأخبارية، أو يجهلها، أو يخالفها، أو ينكرها)) (42). وإزاء هذا الكلام المغلف بالموضوعية، لا يخفي النيفر تفاعله من منهجية مشبوهة كهذه: ((هذا التفاعل اللغوي مع النص القرآني يريد استبعاد التوظيف الأيديولوجي الذي يتجاهل بصفة شبه كاملة، ما للنص نفسه من مضامين وخصوصيات لغوية، أدبية، وتاريخية، ينبغي أن ينصت أليها المفسر بدل أن يستنطقها حسب توجهاته وآرائه)) (43). لم بقف الانتصار لهذا لاتجاه عند هذا الحد، بل يمضي النيفر قائلا: ((مثل هذا التيار المولي للنص الأولية في العمل التفسيري، عرف بعد خلف الله تراجعا، ثم عاد للانطلاق من جديد مع القراءات الحديثة للقرآن المواصلة على المنهج نفسه بعدة معرفية أكثر تطورا)) (44). وتمثل هذه ((العدة المعرفية)) بل فتوحات المعرفة، كما سماها النيفر، بالقراءة التأويلية التي يتصدى لها كل من: 1ـ محمد أركون: المولود عام 1928م، والجزائري المتفرنس، في مؤلفاته: ((قراءات القرآن))، ((الإسلام: الأمس والغد))، ((الفكر الإسلامي: قراءة علمية)) (45). 2ـ نصر حامد أبو زيد: المولود عام 1943م، الأستاذ الجامعي في القاهرة، قبل لجوئه الى أوروبا ((من مؤلفاته: ((الاتجاه العقلي في التفسير))، ((فلسفة التأويل)) و((مفهوم النص)) ((إشكاليات القراءة وآليات التأويل)). 3ـ فضل الرحمن: (1919 ـ 1988م) باحث باكستاني، من مؤلفاته: ((الإسلام)) ((النبوة في الإسلام: الفلسفة والسلفية))، ((الإسلام وضرورة التحديث: نحو إحداث تغيير في التقاليد الثقافية)) (46). فمع ان ثمة منهجيا بين دراسات الخولي وعائشة عبد الرحمن، ودراسات نصر حامد أبو زيد، وأركون.. لكننا نجد أن النيفر، قد حشر الجميع تحت لواء مدرسة واحدة، سماها ((المدرسة الحديثة)) وسبغ عليها نعتا مضافا هو ((سؤال التجديد)). ومرة أخرى.. يعاود النيفر أطلاق احكامه التي لاتخلو من تعميم مغلوط، فنراه مثلا يقول عن هذه المدرسة: - أولا: ((ان رواد تيار ((المنار)) أتاحوا المجال لطرح اسئلة عديدة، تقدم أصحاب التوجه الايديولوجي على تنعهم للاجابة عنا، لكن ذلك لم يحل دون ظهور دراسات قرآنية تقطع منهجيا مع رجال المنار، رم استفادتها الحزئية ن مساءلاتها وحرصا على تطبيع العلاقة مع الحداثة الاوربية. - ثانيا: اسفاد هذا القطع المنهجي من العدة المعرفية التي أصبحت متوفرة للباحث عن طريق الكشوفات العلمية لقراءة النص. - ثالثا: كما استفاد في الآن نفسه، مما كان يلحظ في التراث من قابلية لظهور تجديد في المنهج. - رابعا: حرصت هذه الدراسات أيضا على أن تقطع الخطاب الأيديولوجي وفكره الوثوقي المسكون بالهاجس الغربي والرافض لأية مراجعة جذرية وعلمية لمسألة الوحي وطبية النص القرآني)) (47). وهذه التعميمات ((المعلبة)) ـ إذا صح التعبير ـ لا يمكن ان تنطبق جميعها على رائدي المدرسة البيانية (الخولي / عائشة عبد الرحمن)، نعم هي أقرب الى منهجية نصر حامد أبو زيد، وأركون، وخلف الله الذين لا يكتم النيفر إعجابه بأفكارهم ومنهجيتهم، رغم كل ما تثيره من جدل واسع ما يزال محتدما. وبعد: لا نرانا قد استوفينا ما ينبغي من وقفة إزاء كتيب الدكتور أحميدة النيفر.. بكل ما حفل به من إثارات وآراء، وأحكام قابلة للنقاش.. بغية تعميق الوعي المنهجي، بشروط معرفية تقارب ضوابط المنهج التحليلي الناقد الموضوعي النزيه.
|