دوافع الطاعة والمعصية

 

يشمل البحث، في هذه القضية، ثلاث مسائل نتحدث عن كل واحدة منها لتوضيح الفكرة بشكل اكبر، وهي:

1.نظريات الدوافع.

2.الصراع بين الدوافع .

3. دوافع الطاعة والمعصية.

 

اولا: نظرية الدوافع :

هناك عدة نظريات في تحليل الدوافع، وهي(19)

أـ نظرية الغرائز :

ويتبناها (مكدوغل)، وتنطلق من كون الغريزة هي المحرك لسلوك الانسان، والغريزة عبارة عن استعداد فطري لا يحتاج الى تعلم، يدفع الكائن الحي الى القيام بسلوك خاص في موقف معين، وقد وضع مكدوغل 14 غريزة، اضاف اليهاغرائز اخرى، ومن اهمها غريزة المقاتلة، البحث عن الطعام، التملك، الجنس، الابوة، الراحة، النوم.

وقد كان مكدوغل يعبر عن هذه الغرائز بالغرائز الفطرية. الا ان هذه النظرية لقيت بعض النقد، ومن اهم ما وجه اليها من نقد نذكر:

1. تنافي اتجاه الغرائز الفطرية مع الاتجاه العلمي للبحث، وكونها خارجة عن اطار السيطرة والتحكم، اذ ان الغريزة من الامور الانفعالية.

2. التشكيك في عدد الغرائز المطروحة (بين 14 و36) ويصل العدد، في راي وليم جيمس، الى مئة غريزة.

3. يرى علماء الانثروبولوجيا وعلم الاجتماع ان الاختلاف، في سلوك الانسان، يعود الى الاختلاف في الثقافة بين مجتمع وآخر، فتنتفي بعض الغرائز عند بعض المجتمعات، كغريزة المقاتلة، مثلا، اذ ان بعض المجتمعات، كالهنودالحمر، في كندا، يتنازلون عن الممتلكات تعبيرا عن الفوز بالمعركة، كان تحدي الانسان لدافع التملك دليل على الفوز.

الا ان هذه الانتقادات في الحقيقة لا ترقى الى مستوى دحض النظرية بكاملها؛ اذ ان كون الغريزة خارجة عن اطارالبحث والتدقيق العلمي، لا ينفي وجودها، فضلا عن ان الاختلاف في عددها لا ينفي ايضا وجودها؛ اذ قد يكون هناك اختلاف في بعض الغرائز، ولكن هناك اتفاق على بعضها من دون اشكال، كغريزة الاكل والجنس وحب الاستطلاع والتملك، بل والشعور بها وجدانا.

ب ـ نظرية مدرسة التحليل النفسي :

وزعيم هذه المدرسة هو (فرويد)، وقد عرف فرويد الغريزة بانها تعبير عن قوة نفسية راسخة تصدر من صميم الكائن العضوي، وتنبع اصلا من حاجات البدن، بما يجري في الجسم من حاجات فيزيولوجية؛ اذ ان هذه الحاجات تثير توترانفسيا، فاما ان تلبى فينخفض التوتر، او تبقى، وتتحول الى اللاشعور، وتغدو حالة من الحالات، كالكبت والاحباط.

وطرح فرويد نظريتين للغرائز:

1. نظرية التعارض بين الغرائز الجنسية وغرائز الانا، فالاشباع الجنسي يعارضه القلق والاثم والمثل الخلقية والجمالية للانا، ومن ثم فان القوى المعارضة للنزعات الجنسية، وهي القوى التي تعمل على ضبط الانا، تسمى(غرائز الانا). واذاتفوقت غرائز الانا على النزعات الجنسية فانها تقوم بكبت هذه النزعات(20).

2. نظرية التمييز بين غرائز الحياة وغرائز الموت، فالاولى تهدف الى بقاء الكائن الحي والاخرى على خلافها.

وقد قسم فرويد الجهاز النفسي الى ثلاثة اقسام هي: الانا والهو والانا الاعلى، فالهو يحتوي على الفطري والموروثات والغرائز بشكلها العام، بما تحمل من رغبات وميول. والانا يقوم بالتوفيق بين مطالب الهو والواقع، فيشبع الرغبات والميول في بعض الحالات ويؤجلها الى حالات اخرى، والانا الاعلى يمثل الجهاز الذي يكتسبه الطفل خلال حياته فيسمح باشباع بعضها وتاجيل الاخرى.

الا ان فرويد وضع جوهر نظريته تحت فرضيتين هما: (اللبيدو)، وهو المراحل الاولى للطفل، و(عقدة اوديب)، وهي المرحلة الثانية. الا ان هذه النظرية لقيت بعض الانتقادات، ومن اهمها:

1. انطلاقها من كون (اللبيدو) هو المحرك الاصلي للسلوك، وهي في ذاتها غير خاضعة للبحث او التجريب.

2. الصراع الذي تعيشه النفس الانسانية بين الهو والانا غير خاضع للملاحظة العلمية.

3. انطلق فرويد، في نظريته، من دراسة مرضاه، في مدينة (فيينا)، وجميعهم كانوا من الطبقة المتوسطة، ما يعني محدودية الاطار الواقعي لانطلاقة النظرية. الا ان هذه الانتقادات لا تخلو من ضعف، فعدم امكانية رؤية الصورة الواضحة للبيدو او اللاشعور او حالة الصراع، لا ينفي حقيقة ما تلاقيه النفس، وجدانا، او ما يمكن اثباته من خلال العناصر الخارجية الدالة على تلك الحالة، ومع ذلك فان ترتيبه مراحل تكون اللبيدو، او عقدة اوديب، خال من الربط المنطقي.

جـ النظرية السلوكية :

وهي، في حقيقتها، ردود فعل على مدرسة التحليل النفسي التي طرحها فرويد. وصاحب هذه النظرية هو (واطسون) (Watson). انطلقت المدرسة السلوكية من دراسة المثير والاستجابة وتكون العادة، ويرى واطسن ان السلوك والشعورمتناقضان. وفتح (ثورنديك) باب دراسة سلوك الحيوان للتعرف الى بعض سلوك الانسان كوجود الحاجز بين الحيوان والطعام ومحاولات الحيوان الوصول الى الاكل بعدة طرق، ولكن هذه المحاولات تقل في المحاولات التالية نظرا لتكررالعادة.

وقد تطورت المدرسة السلوكية على يد (واطسن) الذي استفاد من ابحاث (بافلوف) و(بختريف) في الفعل المنعكس الشرطي، فالخوف والغضب والحب هي نماذج لانفعالات اصلية، ولكل واحد منها مثيره المرتبط به اصلا، ولكن حينماتقترن تلك المثيرات بمثيرات اخرى شرطية فان المثير الشرطي يمكن ان يحل محل المثير الاصلي.

وقد طور (كلارك هل) النظرية السلوكية بشكل كبير، واعتمد على نظريات (بافلوف) في الاقتران الشرطي، وعد المنعكس الشرطي الوحدة السلوكية البسيطة(21).

والنظرية السلوكية متاثرة اساسا بنظرية نيوتن، ما ادى الى تسميتها ب (النظرية الذرية) (Atomic Theory)؛ وهي قريبة، في تحليلها السلوك بالفعل ورد الفعل، من الشكل الميكانيكي، فلكل فعل رد فعل مساو له في المقدار، ومختلف عنه في الاتجاه.

وقد انتقدت النظرية السلوكية من منطلق المقارنة بالنظرية الميكانيكية نفسه (نيوتن)، فهي تنطلق، في تحليل السلوك، من المثيرات والاستجابات من دون الاهتمام بجانب الادراك في تفسير السلوك(22). وننقل هنا ما نقله د. مصطفى فهمي عن الدكتور نجيب اسكندر في نقد النظرية السلوكية.

ويتضح، من كل ما سبق، ان الاتجاه التحليلي الجزئي الميكانيكي عند (هل) يظهر بوضوح في اصراره على التمسك بمبدا التدعيم باعتباره الاساس الوحيد للتعلم، وهو مبدا يؤدي الى البحث عن الدقائق المادية للظاهرة، والى اغفال المجال الكلي التي تحدث فيه(23).

وما يؤخذ على هذه النظرية من انها ميكانيكية في تصور المثير والاستجابة، او انها قريبة من العناصر المادية في تصورالظاهرة، غير كاف لردها، فالنظرية انما ترد اذا كانت قاصرة عن ربط المثيرات بالاستجابات، بحيث تعد غير مترابطة في تحليل العناصر المختلفة من مثير واستجابة وكيان نفسي داخلي، ولذا فان نقدها من حيث عدم اهتمامها بجانب الادراك قد يعد من الانتقادات المثيرة.

د ـ نظرية الاستقلال الوظيفي :

صاحب هذه النظرية الباحث )غوردن البورت)، وتنطلق من ان الميول والاتجاهات الاولية (الفطرية) تكون العنصرالاساسي للسلوك الاول، وهو يمهد الى تكون حاجات وميول اخرى تكون السلوك الثاني. وهكذا فالانسان يتولد عنده السلوك كلما اصبح في سلوك معين. وما يؤخذ عليها هو عدم ثبات سلوك الانسان، فهو في تحرك مستمر ويصعب رصده، بالاضافة الى ان الملاحظ في الخارج هو ثبات كثير من مظاهر السلوك عند الناس كصفات الكرم والشجاعة والحلم التي تعد ثابتة، الا ان بعض التصرفات الخارجية المرتبطة بها قد تتغير، فقد ترى فقيرا فتعطيه كذا ريالا، وتراه في يوم آخر، فتعطيه اكثر او اقل، فهذا لا يرتبط بحالة الكرم، وانما يتعلق بشكل كبير بالحالة النفسية في تقييم الشخص المقابل.

هــ نظرية ديناميكية السلوك :

تعتمد هذه النظرية على العلاقة بين السلوك والمجال النفسي، ومحورها هو اللاشعور وما يسببه من حالة توتر تحرك الفرد نحو الهدف، فيضاعف مجهوده او يبدل الغرض الاصلي او يشعر بالاحباط، وتنتج عن ذلك كله حالات الاعتداءاو النكوص او الكبت او الاسقاط، او التفكير الاجتراري، او التقمص.

فالمجال النفسي للانسان يتمثل في شبكة من الاتجاهات والمواقف، ما يجعل حاجات الفرد ومطالبه عبارة عن قوى واضحة بانماط مختلفة من السلوك.

وخلاصة النظرية، بشكل ادق، هي العلاقة بين القوة الدافعة والغاية التي تتجه اليها هذه القوة، وهو ما يعبر عنه بديناميكية السلوك(24).

ويبدو ان هذه النظرية، على قوة طرحها، ليست متداولة بشكل كبير، وقد يكون سبب ذلك هو عدم وجود دراسات واسعة وتطبيقية عنها، ما يجعلها محدودة في الاطار النظري اكثر منها في الاطار العملي، وربمايكون هناك سبب آخر، هو عدم ظهور مستوى عال من المتحمسين لها لترويجها اكثر.

---------------------------

الهوامش

19- الدكتور مصطفى فهمي، الدافع النفسي، ص 10 # 37.

20- نفسه.

21- نفسه، ص 23.

22- نفسه.

23- نفسه، ص 24.

24- نفسه، ص 28.