ثانيا: محاولة تكوين النظرية الاسلامية:

 

بالرغم من صعوبة طرح نظرية تمثل وجهة النظر الاسلامية الى الدوافع الانسانية الا اننا سنحاول التعرف الى ما هو مطروح على الساحة الاسلامية على ايدي المتخصصين، ومن ثم التعليق عليه.

النظرية الاولى :

وهي النظرية التي طرحها الدكتور محمد البستاني(25) وهي ان النشاط الاولي ينطلق من مبدا البحث عن اللذة واجتناب الالم. وطرفا التجاذب هما الشهوة والعقل، او الذات والموضوع. وتمثل الشهوة الاشباع المطلق والاخرالاشباع المقيد بالضوابط المقررة. ويوازن هذا الاصل النفسي اصل عقلي قائم على قدرة التمييز بين نمطي الاشباع المذكورين، وهما الهام الفجور والتقوى، وهو مجسد بثنائية طاقة متوازنة، لا هيمنة لاحدهما على الاخر الا من خلال الطريقة التي يختارها الكائن، الا وهي طريقة بحثه عن الاشباع.

وقد انطلق الدكتور البستاني، في نظريته، من مصدرين اسلاميين: اولهما قول الامام علي(ع): (ان الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كليهما. فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم)(26).

فهذه الكلمة تعكس التكوين الفطري للطبيعة البشرية. والمصدر الاخر هو قوله تعالى: (ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها)، اي ان الهام الفجور والتقوى يعنيان الادراك لمبادى الشهوة والعقل. وبذلك تجتمع ثنائية التركيبة النفسية البشرية، وتتمثل في عنصري الادراك والوجدان، في صياغة اللذة والالم.

ويمكن ان نسجل على هذه النظرية الم آخذ الاتية:

1. ان قول الامام علي(ع) المذكور هو في تحليل التركيبة النفسية من الشهوة والعقل، فالشهوة تمثل الحاجة الحيوانية من شهوة البطن والفرج، والعقل يمثل قمة الاتزان التكاملي للنفس، وبخاصة بقرينة المقابلة الملاحظة في الرواية، بين البهائم، وهي الاشباع من دون مراعاة للوسيلة، والملائكة، وهي عدم وجود الحاجة المادية اصلا، ولكن هناك القوة العقلية التي تسعى الى الموازنة بوصفها حالة اولى، والى الكمال التكويني عبر طاعة الله وعبادته بوصفها حالة ثانية.

فالانسان، بما يملك من هاتين القوتين: الشهوة والعقل، يتحرك الى اشباع حاجاته الحيوانية، وتمثل الشهوة المحرك لذلك. اما العقل فهو العامل الموازن بين تلك الحاجات وبين المعوقات الموجودة امامها ومقدار قدرة الكبح، فبسلطة العقل تتبلور شخصية الانسان وتظهر نمط سلوك في شخصيته. وهذان الامران لا علاقة لهما مباشرة باللذة والالم حتى يمكننا تصيد النظرية الاسلامية منها.

فالشهوة، بما تمثله من حب لاشباع البطن والفرج، تحتاج الى محرك، فقد يكون المحرك هو الجوع، وقد يكون العادة،فالمعتاد على الغذاء في وقت محدد، فانه ياكل حتى لو لم يكن محتاجا الى الاكل، ولذا فان الماثور عن النبي(ص):(نحن قوم لا ناكل حتى نجوع، واذا اكلنا لا نشبع)، هو مما يشير الى ان الاكل ينبغي ان يكون لحاجة، ومفهومه اننا لا نريدان نتعود على الاكل حتى مع عدم الجوع، واذا اكلنا لا نشبع، اي اننا لا نتعود على الاكل حتى التخمة.

والمفهوم من الحديث النبوي ان الانسان قد يتعود على تلك الحالة من دون ان يكون مرتبطا بالحاجة نفسها. وملخص هذه النقطة ان المصدر الشرعي للنظرية اجنبي عن النظرية نفسها.

2. ان اللذة والالم هما من الاحوال الانفعالية، وليسا من الاحوال الفاعلية حتى يفترض انهما يمثلان دافعا للنشاط الانساني. بمعنى آخر: ان اللذة هي ادراك الملائم، وهو الاحساس بان هذا الفعل ينشى حالة من الشعور باللذة(السعادة)، وهذا الفعل ينشى ء حالة من الشعور بالالم (الشقاء). وان افترض ان الانسان يبتعد عن الالم لما يسببه من توتر نفسي يحتاج معه الى رفعه بوساطة عمل ما، ولكن هذا الانفعال يسبب حالة الالم الفعلية ما يدفع جهاز العقل الى رفعه كليا او رفع بعضه او تحمله لوجود غاية افضل، فان مواجهة شخص اعتدى عليك تضعك امام عدة انفعالات، فاماان ترده بكامل قدراتك وهو رفع حالة التوتر مطلقا، او رفع بعضه بالثار لنفسك ببعض القول والنصح، او تركه مطلقاوتحمل تلك الالام من اجل امر افضل، وهو المحافظة على مهابة شخصك، او اي امر آخر تراه حسب انفعالاتك الذاتية من دوافع شهوية (عاطفية) او عقلية، او قد يكون امرا نفسيا آخر، وهو الخوف من اعتداءاته اللاحقة.

3. هناك نظريتان تنقضان نظرية اللذة والالم المطلقين، والقائلة: انهما محرك السلوك، اولاهما نظرية (سرحي) و(ندت)و(ريبو)، فالاول ذهب الى حيادية اللذة والالم، اي انه توجد في النفس حالة لا لذة ولا الم فيها(27) والثاني استخدم الرسم البياني، وبين ان ما كان فوق الخط هو ايجابي، اي لذة، وما كان تحته هو سلبي، اي الم، وما وقع على الخط ليس لذة ولا الما. والثالث ضرب مثلا على الحالة الحيادية، وهو عندما يدخل الانسان الى البيت، ويرى اثاثه على حالته السابقة، فعند ذلك لا تولد عنده لذة ولا الم. وثانيتهما هي نظرية تحول اللذة الى الالم والعكس. وقد اوضح افلاطون في كتابه (الفدون) حالة الانسان في التعاقب بين اللذة والالم، وكان الانسان لا يصل الى اللذة المطلقة او الالم المطلق، ففي كل حالة الم هناك نسبة من اللذة وبالعكس، بل قد يكون هناك الم نفسي، ولكن معه لذة جسمية وبالعكس.

4. ان منطوق الاية، في معنى (الهمها)، هو المعنى المتصور نفسه في الرواية؛ اذ ان معنى الالهام هو استعدادها لقبول الفجور والتقوى على حد سواء، بمعنى آخر: ان الانسان يستطيع ان يكون تقيا وان يكون فاجرا. نعم قد تكون بمعنى ان النفس تعرف بالطريق الفطري المعاني المؤدية الى التقوى والمعاني المؤدية الى الفجور، وهو معنى الادراك الذي ذكره .

بستاني الا انه يمكن التوصل اليه بافتراض عدم معقولية الالهام من دون الادراك. وهو مما لا برهان عليه؛ اذ ان الحيوان يتحرك بطريق الالهام كنسج العنكبوت لخيوطه من دون ان يدرك غايتها او سبيلها.

فالالهام يمكن فصله عن الادراك. ومع افتراض ارتباط الالهام بالادراك، فالنظرية غير تامة لانثلام احد عنصريها السابقين.

النظرية التالية :

وهي التي طرحها الدكتور نبيل محمد توفيق السمالوطي(28) وقد قسم الدوافع الى نوعين:

1. الدوافع الانسانية المادية الشهوية والروحية السامية.

2. الدوافع الفطرية وهي الامكانات والاستعدادات.

ثم هناك دوافع اخرى، وهي على قسمين ايضا: دوافع لا شعورية، وهي التي لا يشعر بها الانسان، وهي تفيد تشخيص الكثير من حالات عدم الاستواء النفسي كالقلق والاكتئاب، ودوافع شعورية وهي دوافع تنبه الانسان اليها. ثم قسمها الى دوافع لازمة لاستمرار الانسان، وهي دوافع الاكل والجنس والملكية والابوة، مستندا الى قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون)، وخلق الدوافع المنظمة لممارستها كقوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) وقوله تعالى: (نساؤكم حرث لكم فاتوا حرثكم انى شئتم).

الا ان د. السمالوطي، في الحقيقة، لم يوفق الى طرح نظرية اسلامية في الدوافع؛ وذلك لامرين:

1. ان تقسيمه للشعورية واللاشعورية هو تقسيم لا يعتمد على مصادر اسلامية. وان كانت بعض المصادر الاسلامية تشيرالى ذلك، الا انها ليست المصادر التي اعتمد عليها في هذا الطرح حتى يمكن نسبة النظرية الى الوجهة الاسلامية.

وماذكره من تقسيمات هو من باب الدراسة العلمية البحتة المستندة الى نظرية فرويد في التحليل النفسي، وقد قال: (ويجب ان نشير هنا الى ان قبول فكرة الدوافع اللاشعورية لا يعني قبول نظرية التحليل النفسي باكملها).

2. ان الامر بالاعتدال، في الاكل والشرب، لا علاقة له بالدوافع؛ اذ ان هذه الاوامر هي لتعديل سلوك الممارسة الانسانية حين المبالغة في الاكل والشرب، وتتمثل بالامر بالاتزان وبعدم الاسراف. وكما يبدو فان الشاهد الثاني: في الجنس يفيدعكس ما ذهب اليه، فقد ذكرت الاية (انى شئتم)، وسواء كانت (انى) على نحو الظرف المكاني ام الزماني، فقد اطلقت ممارسة الجنس مع الزوجة من القيود.

النظرية الثالثة :

وهي نظرية دافع الكمال، وتعني ان الانسان يملك الدوافع الاساسية للمحافظة على بقاء كيانه الحيواني، اي جسمه:البقاء بالاكل والشرب، وعلى كيانه الحيواني النوعي: الاستمرار بالجنس، وهذا هو البقاء الايجابي، كما انه يملك الدوافع الاساسية للمحافظة عليه بامتلاك القدرة على الدفاع عنه، وهذا هو البقاء بطريقة السلب. ثم ياتي جهاز القيم الاجتماعية، ويقف خطا معوقا في بعض الاحيان او موافقا في احيان اخرى، وللموازنة بين تلك الدوافع بالتاثير على هذه او تلك تقف القوة العقلية. والانسان بين تلك الدوافع والمعوقات جميعها يسعى الى كماله.

اصول هذه النظرية في المصادر الاسلامية

(الف) الحديث الذي سبق ذكره المروي عن الامام علي(ع): (ان الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة... البهائم شهوة بلاعقل... بني آدم كليهما...)، فان هذا الحديث يشير الى قدرتين: احداهما الطبيعة الموجودة في الحيوان، وهي الشهوة،اي شهوة البطن والجنس والمقاتلة (المغالبة)، والاخرى العقل، وهي، مقابلة بما لدى الملائكة تعني السعي الى تكاملهابرضا الله، ولذا نجد الملائكة لا تتردد في قبول امر الله سبحانه بمجرد صدور الامر من دون ان تجابه الامر بنقد اوعصيان، اما الانسان فانه يتحرك بين هذه القوى المؤثرة، فتسحبه الى الارض بالدوافع الشهوانية، او ترفعه الى الاعلى بالدوافع العقلية (الكمالية).

فكلما سعى الانسان الى رضا ربه قل سعيه الى رضى شهواته. ونلاحظ ان هناك نقطة التقاء بين السعي العقلي والشهواني والالهي، وهي نقطة الوسط، وتتمثل في موازنة ارضاء هذه القوى المؤثرة الثلاث.

(ب) نلاحظ الاشارة القرآنية الى ان الهدف من عبادة الاوثان هو القرب من الله: (وما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفا)، اي ان عبادة الوثن، من حجارة واصنام، كانت احدى طرق الوصول الى القرب من الله، وهذه اولى خطوات السعي الى الكمال، وان كان السبيل اليها خاطئا.

(ج) قوله تعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) هو اشارة واضحة الى ان كيان الانسان يملك القدرة الاساسية على عبادة الله سبحانه، والى انحصار هدف الخلق في العبادة، ما يعني ان استعداد الانسان الى الكمال هو اقوى من استعداده الى غير ذلك. وهنا نرى ان الانسان المتكامل هو العابد ربه على اكمل وجه، راجيا رضاه، ونرى ان الاشخاص المتفانين في رضى الله هم اقرب الى الكمال ممن هم اقل تفانيا في ذلك.

(د) قوله تعالى: (يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه)، فانت، مهما سعيت وعملت، متجه، في المحصلة،الى الله سبحانه، وهذا يقتضي ان يكون توجه الانسان هو لله سبحانه.

(ه) الفطرة الالهية القائمة على توحيد الله، فعن هشام بن سالم، عن ابي عبدالله(ع) قال: سالته عن قول الله عز وجل:(فطرة الله التي فطر الناس عليها)؟ قال: هي الاسلام، فطرهم؛ حيث اخذ ميثاقهم على التوحيد، قال: الست بربكم، وفيهم المؤمن والكافر(29) فنلاحظ ان اساس الفطرة الانسانية هو توحيد الله، اي على اعلى مستويات الخلوص النفسي من اي تعلق بشي ء سوى الله.

ونظرا لارتباط النظريات الاسلامية جميعها بثلاثة مفاهيم، وهي: العقل والشهوة، والنفس، فلنوضح هذه المفاهيم:

1ـ العقل :

العقل هو القدرة على تمييز الحق من الباطل. ذكر العلامة المجلسي، في بحار الانوار(30) ست معان للعقل نذكرها ملخصة:

1ـ قوة ادراك الخير والشر والتمييز بينهما ، فهو مناط التكليف والثواب والعقاب.

2. ملكة في النفس تدعوا الى اختيار الخير والنفع واجتناب الشرور والمضار.

3ـ القوة المنتظمة لحياة الناس ، فإن وافقت الشرع سميت عقل المعاش .

4ـ مراتب استعداد النفس لتحصيل النظريات ، وهي العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل السمتفاد .

5ـ النفس الانسانية المتميزة من البهائم .

6ـ الجوهر المجرد غيرالمتعلق بالمادة.

فالعقل، اذا، هو القدرة على ادراك الخير والشر والتمييز بينهما، ودفع الانسان الى الاعلى. ونلاحظ، في كيفية خلق العقل، عن محمد بن مسلم، عن ابي جعفر(ع) انه قال: (لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: اقبل، فاقبل، ثم قال له:ادبر، فادبر، ثم قال: وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا هو احب الي منك، ولا اكملتك الا في من احب، اما اني اياك آمر، واياك انهي، واياك اعاقب، واياك اثيب)(31).

ونجد ذلك جليا، في حديث طويل(32) (نقتطف بعضا منه) عن سماعة بن مهران، قال: كنت عند ابي عبدالله(ع)، وعنده جماعة من مواليه، فجرى ذكر العقل والجهل، فقال ابو عبدالله(ع): (اعرفوا العقل وجنده واعرفو الجهل وجنده تهتدوا..... الخير، وهو وزير العقل، وضده الشر، وهو وزير الجهل، والايمان وضده الكفر، والعلم وضده الجهل...والتواضع وضده الكبر... فلا تجتمع هذه الخصال كلها من اجناد العقل الا في نبي، او وصي نبي، او مؤمن قد امتحن اللهقلبه للايمان، اما سائر ذلك من موالينا فان احدهم لا يخلو من ان يكون فيه بعض هذه الجنود، وحتى يستكمل، وانمايدرك ذلك بمعرفة العقل وجنوده).

فكلما قويت القوة العاقلة، وامسكت بزمام النفس، يقرب الانسان من الكمال، الا انه، كما ترى من خلال الرواية، لا يخلوالانسان من مزيج بين تلك العناصر في شخصيته تظهر، في النهاية، في الفئة الغالبة، فقد تظهر بعض الصفات الحميدة التي تغلب صفات سيئة اخرى.

يقول السيد الامام (قده): (انها الفطرة التي تعشق الكمال. فانت، اذا تجولت في جميع الادوار التي مر بها الانسان، واستنطقت كل فرد من الافراد، وكل طائفة من الطوائف، وكل ملة من الملل، تجد هذا العشق والحب قد جبل في طينة،فتجد قلبه متوجها نحو الكمال)(33).

فالكيان الانساني يدفعه واقع الكمال العقلي، بشكل قوي، والا فان بعض الاشخاص يرى كماله في هذه السلطة او تلك اللذة او تلك المعيشة المعينة، وذلك لتاثر الاستعداد النفسي لديه بالممارسة المستمرة، ما يجعل تلك الدوافع سهلة الاجتماع. ولا يمكننا ان ننطلق اكثر في هذا المجال، فان الانسان يشعر، في بعض الحالات، بالحاجة الى عمل اكمل، ولكنه يكتفي بما هو اقل، نظرا لقدراته واستعداداته النفسية التي تعودت على حالة رخاء، او حالة سكون، او حالة عدم القدرة على المقاومة تجاه تلك المغريات التي يواجهها تجاه نفسه: (ربنا غلبت علينا شقوتنا)، وهو ابلغ وصف الى عدم القدرة على مقاومة الحالة التي يواجهها الانسان.

ونرى المشرع الاسلامي يضع ملامح الخصال المتعلقة بالقوة العقلية، ويتمثل ذلك في ما ياتي:

1. صحيحة ابن مسكان، عن ابي عبدالله(ع) قال: (لم يقسم بين العباد اقل من خمس: اليقين والقنوع والصبر والشكروالذي يكمل له هذا كله العقل ) (34).

وهي تشير الى ان مصادر القوى الاساسية، في كيان الانسان، اربع، والمنظم لها العقل، ولا يوجد عند اي انسان اقل منها،وان كانت تختلف قوة وضعفا بين شخص وآخر بالتمرس والاستمرار على التعامل معها، بما يقوم به العقل من تاثير فيهاوتنظيم لها.

2. رواية ابن نباتة عن الامام علي(ع) قال: (هبط جبريل على آدم(ع) فقال: يا آدم، اني امرت ان اخيرك واحدة من ثلاث،فاختر واحدة، ودع اثنتين، فقال له آدم(ع): وما الثلاث يا جبريل؟ فقال: العقل والحياء والدين، فقال آدم: فاني قداخترت العقل حيثما كان، فقال جبرئيل للحياء والدين: انصرفا ودعاه، فقالا له: يا جبرئيل، اننا امرنا ان نكون مع العقل، قال: فشانكما وعرج)(35). ونلاحظ هنا ان الحياء والدين متلازمان مع العقل، ونضيف هاتين الخصلتين الى الخصال السابقة، فتكون الخصال المرتبطة بالعقل بالاضافة الى الخصال الاربع السابقة هما خصلتا الحياء والدين.

2ـ ا لشهوات :

يضع التعبير الاسلامي الشهوة في قبال الامور الروحية العقلية التي تسعى الى العلو، فكل ما ليس من هذه الامور يدخل تحت عنوان الشهوة؛ فالشهوة هي القوة الطبيعية الدافعة للكيان الحيواني نحو النمو والبقاء. ونذكر الروايات المتعلقة بذلك على نحو العموم:

(1) الشهوات هي الميل الى النساء والمال والحياة. ونجد ذلك في قوله تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساءوالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث) [آل عمران/14]. ونلاحظ هنا ان الشهوات المذكورة هي امور طبيعية يحتاجها الانسان في استمرار حياته بعلاقته بالطرف الاخر، اي بين الرجال والنساء، والمال والمعبر عنه بالذهب والفضة، وان كان يمكن حملها على مستوى اعلى من الشغف بالمال، وهو تعبير عن حالة الطمع في النفس. فهذه الامور هي ادوات الدوافع في الانسان بشكل عام.

(2) الحديث العلوي السابق: )ان الله ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة وركب في البهائم شهوة بلا عقل وركب في بني آدم كليهما...).

فنلاحظ، بالمقابلة بين ما ركب في الملائكة، وهو العقل، وبين ما ركب في البهائم، وهو الشهوة، ان عنوان الشهوة هنا هوكل ما يتعلق بحياة الحيوان الحياتية من حيث بقاء جسمه واستمرار نوعه. ونلاحظ ان الحياة الحيوانية، من خلال الاستقراء، يتركز فيها الاكل والشرب وكل ما هو قوام الجسد، كالجنس الذي هو لبقاء النوع والقتال الذي هو للدفاع عن الذات. وهذه الامور هي الاصول بالنسبة الى غيرها ايضا، ويمكن ان نضع الغرائز التي اشارت اليها نظرية الغرائز بوصفهامجموعة لانواع الشهوات الموجودة في الانسان. ويمكن ان نتبين فيها نظرية الغرائز التي ذكرها مكدوغل، للتعرف على الدوافعر الشهوة من قبل المشرع الاسلامي، فهي على اقل تقدير اقرب في حصر النظرية في الاطار الاسلامي في البحث.

ويمكننا اعادة تصنيف الشهوات في عدة اصناف هي:

(1) شهوات جسمية: وهي الشهوات المغذية للجسم من اكل وشرب وملبس وجنس.

(2) شهوات نفسية: وهي الشهوات التي يتركز فيها حب الذات والمال والهوى.

(3) شهوات اجتماعية: وهي الشهوات التي يتركز فيها حب العلو والسيطرة.

(4) شهوات روحية: وهي شهوة حب البقاء.

(5) شهوات قلبية: وهي العواطف والانتفعالات.

3. النفس وقواها

لاحظنا، من خلال النصوص السابقة، ان الاسلام يرى ان صفة الكمال تتمثل في غلبة القوة العقلية، وهي اعلى المراتب،وتتكامل هذه القوة في الملائكة، وان صفة البهيمية تتمثل في الشهوات. وما نحتاجه، الان، هو وضع اطار تحليلي لماذكره فلاسفة الاسلام عن قوى النفس وصفاتها.

ولنبدا بتقسيمات (الملا صدرا) في كتابه الاسفار.

تنقسم النفس، كما يرى الملا صدرا، الى اجزاء ثلاثة، اي نفوس ثلاثة هي(36):

(1) نفس نباتية، وموضعها الكبد.

(2) نفس حيوانية وموضعها القلب، وهي تخدم الانسانية والحيوانية النباتية، ولها ثلاث قوى هي: الغاذية والمنمية والمولدة. والحيوانية لها قوتان: محركة ومدركة، فالمحركة اما باعثة، وهي الباعثة بالشوق، ولها شعبتان: شهوية وغضبية،والاخرى المدركة: خارجية وداخلية.

(3) نفس انسانية وسلطانها الدماغ. وتنقسم الى عاملة وعالمة، فالعاملة هي التي يتم بها تدبير البدن، ولها القدرة على السيطرة على سائر القوى الحيوانية. والعالمة هي القوة النظرية التي تستفيد من العلوم والحقائق.

يقول الملا صدرا: ان الانسان يبتدى وجوده اولا من ادنى المنازل، ويرتفع قليلا الى درجة العقل والمعقول، كما اشارسبحانه: (هل اتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) الى قوله: (اما شاكرا واما كفورا).

النفس الانسانية، اذا، هي التي يتركز فيها المؤثر العقلي، وهي بقواها تؤثر في تدبير البدن بتحريك قواه، والسيطرة على القوة الحيوانية التي تتركز فيها القوتان: الشهوية والغضبية. وان كان هذا الادراك يلاحظ لدى الحيوان الا انه لا يخرج عن كونه ادراكا بسيطا.

ونلاحظ ان النفس الانسانية تبدا من ادنى منازل الحيوانية، وهي الشهوية والغضبية، وتؤثر النفس الانسانية عبر العقل في تقوية القدرة الادراكية والعلمية، لتزداد بذلك السيطرة على القوة الحيوانية، وبمقدار ما يسيطر الانسان عليها فانه يرتفع الى المراتب العلوية من الانسانية.

وهذا التقسيم هو تقسيم الشيخ ابن سينا نفسه كما شرحه الخواجه نصير الدين الطوسي(37). ونقتطف، هنا، بعض تفصيلاته في النفس الحيوانية والناطقة كما يسميها.

النفس النباتية، لدى ابن سينا، هي تماما كما فصلها الملا صدرا. اما النفس الحيوانية فلها قوتان: قوة ادراك وقوة تحريك،ارادي او تسخيري (غير ارادي).

اما قوة الادراك، فمنها ما يدرك ظاهر البدن، ومنها ما يدرك باطن البدن، والاولى تسمى بالحواس؛ وهي خمس: الابصاروالسمع والشم والذوق واللمس، والثانية الباطنة خمس ايضا: الاولى الحس المشترك، وهو صورة المحسوسات الظاهرة. والثانية الخيال وهو خزانة تلك الصور، والثالثة المتعرفة، وهي باعتبار تصرفها في المحسوسات تسمى متخيلة،وباعتبار تصرفها في المعقولات مفكرة، والرابعة الوهم، وهو ادراك المعاني الجزئية كالصداقة والعداوة والانس والنفرة،وهذه تتواجد في الانسان والحيوان ايضا، والخامسة الحافظة وهي مركبة من فعلين: مشاهدة وحفظ.

اما قوة التحريك الارادي فلها قوتان وآلات، والقوتان هما: الشهوة، وهي الباعثة على جذب الملائم، والثانية الغضب،وهي الباعثة الى دفع غير الملائم.

اما النفس الناطقة فهي مجردة عن الاجسام، مفارقة للمواد، مرتبطة على الابدان، تفيض عليها صورة حيوانية منطبعة في البدن فيها، وتعبر عنها الافعال النباتية والحيوانية بالالات، وتنقسم الى عقل نظري وعملي.

والنظري هو تعقلها لنفسها في ما يجب ان تتعقل، ولها مراتب:

الاولى: الاستعداد، ويشمل الطفل ايضا، ويسمى عقلا هيولانيا.

الثانية: المكتسبة، وتشمل العلوم النظرية باسرها، وتسمى عقلا مستفادا.

الثالثة: المستفاد، وهو استحضار تلك العلوم ومشاهدتها، وتسمى عقلا مستفادا.

الرابعة: خزانة المعقولات، وهي العقل الفعال.

اما العقل العملي فهو الذي يستنبط للنفس آراء جزئية من آراء كلية، وهي قضايا اولية او مشهورة او تجريبية.

والملاحظ ان تقسيم علماء الاخلاق للنفس قريب من التقسيم الفلسفي، فالشيخ النراقي، في كتابه: جامع السعادات، في تعريف النفس وقواها يقول(38) (ملخصا):

1. ان النفس مجردة في الذات من دون الفعل لافتقادها الى الجسم والالة، وهي جوهر ملكوتي تستخدم البدن في حاجاتها، فتسمى روحا لتوقف حياة البدن عليها، وعقلا لادراكها المعقولات، وقلبا لتقلبها في الخواطر.

2. ان قوى النفس اربع، وهي:

الاولى: عقلية ملكية، وشانها ادراك حقائق الامور والتمييز بين الخير والشر.

الثانية: الغضبية، وشانها صدور افعال السباع من الغضب والبغضاء والتوثب على الناس بالاذى.

الثالثة: الشهوية البهيمية، وهي التي تصدر عنها افعال البهائم، من عبودية الفرج والبطن والحرص على الجماع والاكل

.الرابعة: الوهمية الشيطانية، وشانها استنباط وجوه المكر والحيل والتوصل الى الاغراض بالتلبس والخداع.

ويضيف الشيخ النراقي فيرى ان الغضبية يستعملها العقل لكسر قوة الشهوة الشيطانية. ويستشهد بما ورد في القرآن الكريم عن النفس المطمئنة واللوامة والامارة بالسوء، فالاولى التي تكون تحت سيطرة الاوامر والنواهي، وهي منقادة لها، اما اذا كان بينها تدافع، فانها تكون لوامة، اما اذا صارت مغلوبة بالقوى الشيطانية فتسمى امارة بالسوء.

من هذه التقسيمات الفلسفية والاخلاقية للنفس نلاحظ ان الفلاسفة الاسلاميين لم يخرجوا عن اطار الفلسفة اليونانية في تقسيم النفس، الا ان الفلاسفة والاخلاقيين يختلفون في القوة العاقلة، فالفلاسفة يتحدثون عنها بوصفها قوة عقلية نظرية او عملية، والاخلاقيون يتحدثون عنها بوصفها قوة مؤثرة في توجيه طاقات الانسان الاخرى من بهيمية وسبعية.

الصراع بين دافعي العقل (الكمال) والشهوة (البهيمية)

تحمل النفس الانسانية قوتين هما: القوة العقلية والقوة الشهوية، كما يشير الى ذلك امير المؤمنين(ع)(39). اي ان الانسان يحمل القوة العقلية، وهي التي تكون خالصة في الملائكة، لعدم وجود الدوافع الشهوية المتعلقة بالحيوانية،والقوة الشهوية، وهي التي تكون خالصة في البهائم، وتوجهها الاساس هو مجرد الحياة. واعتقد ان القوة الشهوية تحمل العناصر المؤثرة في القوتين: الغضبية والشيطانية، وهي التي يذهب اليها الفلاسفة او الاخلاقيون. فالقوة الشهوية، اذاكانت لخدمة كيان البدن، فانها تتحرك في هذا الاطار في تغذيته او الدفاع عنه، الا ان تلك القوى تتحرك في اطار تركيبة الانسان التربوية، اي في جهازه النفسي كله، بما يحمل من مبادى وقوى محركة وتراكمات الخبرة الحياتية، بالاضافة الى تكامل القوة العقلية وقوتها في تاثيرها على توازن هذه الدوافع وتوجيهها.

ونلاحظ ذلك في رواية سماعة بن مهران التي سبق ذكرها، والقائلة: ان ما يتوافر فيها من جنود العقل لا يجتمع الا في نبي او وصي نبي. اما سائر الموالي الاخرين (اي سائر الناس) فان احدهم لا يخلو من ان يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل، بمعنى ان الانسان لا يخلو من طغيان صفة على اخرى، وما ذلك الا للتاثيرات البيئية او الوراثية على ما يملكه الانسان من استعدادات ذاتية وما يطرا على حياته الاجتماعية من مؤثرات على سلوكه، كاليتم والفقر والغنى والبطر.ونلاحظ، ايضا، ان هناك اتفاقا على ان الانسان يسعى الى الكمال بالطاقة العقلية المودعة فيه، فهي تقوده الى الكمال العلوي، اما الطاقة الشهوية فتقوده الى الارض: (ثم اخلد الى الارض). الا اننا نحتاج الى الرجوع الى الوراء قليلا للتعرف الى الاستعدادات الاولية التي تعد

المؤثر الاوفر حظا في التاثير على هذه المرحلة المتوسطة(40).

ونلاحظ، من خلال خطبة الامام علي(ع)، المتعلقة بصفة خلق آدم(ع) وكيفية تكوينه الجسدي ان هذا التكوين هوالمؤثر في توجهه النفسي(41). ونقتطف هنا بعضا منها، وهو ما يهم البحث، والا فان الخطبة مليئة بالمعاني العالية.قال:

)ثم جمع، سبحانه، من حزن الارض وسهلها وعذبها وسبخها، تربة سنها بالماء حتى خلصت، ولاطها بالب لة حتى لزبت، فجبل منها صورة ذات احناء ووصول، واعضاء وفصول..

ثم نفخ فيها من روحه، فمثلت انسانا ذا اذهان يجيلها، وفكر يتصرف بها، وجوارح يختدمها، وادوات يقلبها، ومعرفة يفرق بها بين الحق والباطل والاذواق والمشام والالوان والاجناس.

معجونا بطينة الالوان المختلفة، والاشباه المؤتلفة، والاضداد المتعادية، والاخلاط المتباينة من الحر والبرد والبلة والجمود...

واجتبالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعهم عن عبادته، فبعث فيهم رسله وواتر اليهم انبياءه، ليستادوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته ويحتجون عليهم بالتبليغ، ويثيروا اليهم دفائن العقول ويروهم آيات المقدرة..).

والخطبة بالغة الفائدة، مترابطة المعاني، الا اننا اقتطفنا ما يمكن الافادة منه في خصوص موضوع البحث. وفي هذاالصدد نلاحظ ما ياتي:

1. ان الطبيعة البشرية المجبولة في الانسان تتكون من عدة متضادات، كالعذب والسبخ والحزن والسهل، وهذه اشارة واضحة الى ان تكوين هذا الانسان من التراب والماء، فتركيبة التراب تشمل الارض السهلة المطيعة والحزنة الصعبة والماء الذي يكون من العذب والسبخ، اي المالح، وهذا اوضح مثال على تعدد عناصر تركيبة الطبيعة البشرية.

ويمكن القول: ان ذلك اشارة الى الاستعدادات الطبيعية في النفس البشرية على تكونها من هذه المتضادات، والتي من شانها ان تخلق في الانسان الاستعداد لجميع الاتجاهات.

فاذا ذهبنا بعيدا، في مراجعة النظرية هذه، من خلال هذاالنص، فاننا نستطيع الادعاء ان الشخص (ا) قد تتكون فيه نسبة اكبر، من الارض السهلة، مما يتكون في الشخص (ب)، وقد يحدث هذا، ايضا، في تركيبته المائية. وهذا ما يعلل الاختلافات التي نراها في ان استعداده (ا) لاتجاه معين منذصغره اقوى منه من (ب)، وحتى لو افترضنا القابلية الوراثية فانها وفاقا لنظرية الجينات الحديثة لا تعطيك سوى قدرات نفسية. ولكننا نلاحظ، من خلال مجموعة من الاخوة، ان الشخص (ا) تتركز عنده استعدادات الكرم اكثر مما تتركز في(ب)، وهكذا في طريقة التعامل مع حالة البذل او الحرص مثلا(42).

2. ان نفخ الروح يحمل عدة معان ادراكية في النفس البشرية، وهنا يمكن وضع اطار تدرج الخلق، اي بعد تمام التكوين الجسدي نفخ فيه من روحه. ونلاحظ ان هذه النفخة حملت، اضافة الى الحياة الحيوانية المتحركة، امورا اخرى هي الذهن والفكر واستعمال الجوارح والمعرفة التي يدرك بها الحق والباطل.

وهذه اشارة الى ان الروح، من خلال النص، تحمل عدة مناشى هي:

- الروح، وهي الباعثة على حياة الانسان من جموده.

- نفس تدرك الحواس الجسمية، وتدرك بها العالم الخارج عن الجسد.

- عقل، ويحمل معاني الذهن والفكر وادراك الحق والباطل.

3. ان الانسان، لو خلي ونفسه، فان الشيطان يؤثر على سلوكه. ونلاحظ التعبير ب (اجتبالتهم) الشياطين، اي اخرجتهم عن معرفته سبحانه، وقطعتهم عن عبادته، فكان المعرفة متصلة بالعبادة اتصالا وثيقا.

4. ان الله، سبحانه، لم يترك خلقه مجالا لالاعيب الشياطين، بل بعث الانبياء ليذكروهم بالفطرة التي جبلوا عليها وبنعم الله. ودمج الفطرة بالنعمة، هنا، قد يفيد ان الفطرة ليست مجرد التوحيد، بل هي الاعتراف به وبوحدانيته وبنعمه سبحانه. ونلاحظ تعبيره(ع): )ليستادوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته)، فالانسان اودع في فطرته ميثاق الوجدان والنعمة، والشيطان يوسوس له وينسيه ذلك، والانبياء يذكرون بهذه الفطرة.

وملخص النص ان الانسان يملك الاستعداد الفطري (الروحي) لمعرفة الامور الحسنة التي اودعها سبحانه فيه، وان كيانه الحيواني فيه استعدادات الخير او الشر جميعها، وهذا مصداق قوله تعالى: (انا هديناه النجدين)، اي طريق الحق وطريق الباطل الى جانب استعداده لكليهما. الا اننا - كما سنناقش في ما بعد نلاحظ ان الانسان، لو خلي وطبعه، فانه يبتعد عن الخط الالهي، وبخاصة بتاثير الشياطين. ونلاحظ، من خلال النص، ان الانبياء بعثوا لتذكير الناس وتصحيح توجههم.بمعنى آخر: ان الانسان، في واقع سعيه الطبيعي، يتجه الى كماله المتمثل بالوصول الى الله سبحانه، الا ان الشياطين تحرف هذا الاتجاه الى وجهاتها الخاطئة، والله سبحانه وتعالى يبعث الانبياء لتصحيح المسار الخاطى، ليوجههم الى الاتجاه الصحيح، ولو لم يكن عند الانسان تلك الاستعدادات القوية نحو الكمال (العقل) لما استطاع الانبياء توجيه هذه النفوس المنحرفة.

عندنا، اذا، مرحلة التكون الجسدي، وهذه تكون حين انعقاد النطفة، والحياة الرحمية في خلق التكوين الجسدي والاستعدادات النفسية والوراثية. ثم مرحلة التربية والتاثر، خلال المرحلتين الاوليين، وبالخصوص المرحلة الثانية.وتبدا رحلة الصراعات خلال تكامل الانسان النفسي، لتكون قوية تجاه امر، والقبول بامر آخر، والسعي لامر ثالث وهكذا. فهو يريد ان يلعب كثيرا فيمنع، وتعتمد هنا ردود افعاله على قدراته ونشاطاته الجسمية الدافعة نحو اللعب.فقبوله بامر يعتمد على تركيبته وقدرته النفسية، من حيث مستوى العناد وهكذا، ونتقدم الى المراحل المتقدمة للتعرف على صراعات الدوافع هناك.

ونستعرض هنا حديثا، وان كان طويلا، لنستخلص منه بعض اشكال صراع الدوافع. جاء في صحيحة ابي ولاد، قال:)قلت لابي عبدالله(ع): جعلت فداك، ان رجلا من اصحابنا ورعا مسلما كثير الصلاة قد ابتلي بحب اللهو، وهو يسمع الغناء، فقال: ايمنعه ذلك من الصلاة لوقتها، او من صوم، او من عيادة مريض، او حضور جنازة، او زيارة الخ؟ قال: قلت:لا، ليس يمنعه ذلك من شيء من الخير والبر، قال: فقال: هذا من خطرات الشيطان، مغفور له ذلك ان شاء الله. ثم قال: ان طائفة من الملائكة عابوا ولد آدم في اللذات والشهوات - اعني الحلال وليس الحرام قال: فانف الله للمؤمنين، من ولدآدم، من تعيير الملائكة لهم، قال: فالقى الله في همة اولئك الملائكة اللذات والشهوات، كي لا يعيبوا المؤمنين. قال: فلما احسوا ذلك من همهم عجوا الى الله من ذلك فقالوا: ربنا عفوك عفوك، ردنا الى ما خلقنا له واجبرتنا عليه، فانا نخاف ان نصير في امر مريج، قال: فنزع الله ذلك من همهم. قال: فاذا كان يوم القيامة، وصار اهل الجنة في الجنة، استاذن اولئك الملائكة على اهل الجنة، فيؤذن لهم، فيدخلون عليهم، فيسلمون عليهم ويقولون لهم: (سلام عليكم بما صبرتم) في الدنيا عن اللذات والشهوات الحلال)(43).

ويمكن ان نلاحظ، بعد قراءة، هذا النص عدة امور هي:

1. ان الانسان يعيش صراعا بين دوافع الكمال ودوافع الشهوات، وذلك بالرغم من تكامله بالورع، كما نلاحظ، في النص الذي يتحدث الحديث عن مؤمن ورع، ان المؤثر في دوافع الشهوات هو الخطرات الشيطانية.

2. ان الملائكة، على الرغم من تكاملها العقلي، لم تستطع حينما غرزت الشهوات فيها ان تصمد قبال مؤثرات الشهوة،فتحولت الى حالة اضطراب، فطلبت من ربها سحب تلك الغرائز، حتى لا تقترف المعاصي او تبتعد عن ساحة القداسة.وهذه اشارة الى قوة حالة الشهوة في التاثير على سلوك الانسان.

3. ان النص تحدث عن اللذات والشهوات الحلال، وبين ان المؤمن يقع، بالرغم من قوة الدافع العقلي لديه، تحت غلبة المؤثرات الشهوية، فما بالك بالاقل منه؟ وقد نلاحظ هنا، ايضا، متذكرين الحديث السابق ذكره عن عقل الملائكة وشهوة البهائم، ان الانسان حينما يغلب عقله على شهوته يكون افضل من الملائكة؛ وذلك لوجود دافع مضاد قوي،ومع ذلك تغلب على الشهوة، واذا غلبت الشهوة فهو اقل من البهائم لوجود دافع مضاد وهو العقل.

4. التعبير بان هذا من خطرات الشيطان يشير الى ان هذا الكيان الانساني له القابلية القصوى على عمل الخير، ولكن وسوسات الشيطان هي التي غيرته، واثرت عليه للاندفاع نحو حالة اللهو.

وهنا نجد ان الحالة النفسية التي يواجهها الانسان تؤثر عليها عدة امور، وهذا يعتمد على التركيبة النفسية في الانسان الفرد، فاولا هناك من يضع حدا عاليا للدافع العقلي (الكمال)، ويتضح ذلك في القادة المعصومين من انبياء ورسل واوصياء، ويقل هذا الدافع كلما تدرجت بالسلم الى الاسفل، الى ان تصل الى الحياة البهيمية. ولذا لا نتردد في وصف الانسان الغارق في شهواته بالحيوان.

فنلاحظ، من خلال الرسم البياني هذا، ان د (س) هي النسبة المئوية للحد الوسطي وهي تتحرك بمقدار قرب المجتمع من شدة المعوقات وضعفها الغريزي (الشهوي) وجهاز الحرية الاجتماعية من قيم وافكار، فكلما قل المستوى زادت النسبة في جانب الموروثات الاجتماعية التي تشكل مؤثرا تربويا في جهاز الانسان الداخلي والخارجي.

يضاف الى ذلك ان مستوى التربية النفسية للفرد تجاه اشباع رغباته لما ينشا عليه من حالات اجتماعية واقتصادية بالارتفاع والانخفاض. وبالنتيجة د (س) : د (القيم، الحرية، الموروثات، الرغبات، الاقتصاد، الاستقرار)، فالمجتمع المستقر اقتصاديا واجتماعيا، ولكن جهاز القيم فيه ضعيف، فان د (س) تكون اقرب الى جهة الشهوات بعكس ما اذا كان جهاز القيم في ذلك المجتمع نفسه اقوى، فان المنحنى يميل الى جهة الكمال اكثر.

اما على مستوى التكوين الفردي فان الشخص الذي ينشا، في بيئة تتوافر له فيها مستلزمات الحياة المادية الكاملة، يكون اقرب الى الملذات والشهوات. والنفس الناشئة، في هذه البيئة، تعيش الصراع النفسي بين صنوف الشهوات المادية،بخلاف البيئة التي تقل فيها عناصر المؤثرات المادية تلك. فان الصراع يقل بين الشهوات والمعنويات.

5. نلاحظ، من خلال سؤال الامام(ع) عما اذا كان ذلك يمنعه من الخير والبر؟ ثم القول: انه من خطرات الشيطان، مغفورله ان شاء الله، اشارة يمكن ان تعني ان الانسان اذا كان في تلك الحالة من العبادة والتصرفات الطيبة، فانه قد تتحرك عنده بعض الغرائز كحب اللهو، وهنا ربطها بكونها من خطرات الشيطان، وهذا تعبير عن انه يسلك هذا السلوك بتاثيرات شيطانية وليس بفعل طبيعته الخيرة. وبمعنى آخر: ان الانسان، وان تكامل في العبادة وعمل الخير، فقد تؤثر بعض المؤثرات في سلوكه، وان كانت طينته خيرة. وهذه النفس اكثر ما تكون قريبة من النفس اللوامة، نظرا لان مصادر تاثيرالملامة هو لتصحيح الخطا. وبالرجوع الى حديث سماعة بن مهران، عن ابي عبدالله(ع)، في تعريف خصال العقل وخصال الجهل، نرى انه قال:

1. لا تجتمع هذه الخصال جميعها، من قوى العقل الا في نبي، او وصي نبي، او مؤمن قد امتحن الله قلبه، وثبت فيه الايمان.

2. اما سائر ذلك من موالينا، فان احدهم لا يخلو من ان يكون فيه بعض هذه الجنود حتى يستكمل.

فهنا نلاحظ ان الانبياء والاوصياء والمؤمنين الممتحنين ترتفع عندهم خصال قوى العقل، وعندما تنزل الى سلم الناس العاديين تلاحظ ان خصال العقل وخصال الجهل، اي الخير والشر، تكون ممتزجة فيهم، فالتعبير: (لا يخلو) هو اشارة الى ان الكيان النفسي للانسان بشكله العام يتمثل في غلبة عنصر على آخر في بعضها، وانخفاضه في بعضها آخر، فهذاالمزيج من العناصر يكون جوهر النفس الانسانية، ولذا فقد تغلب خصلة في انسان على حساب خصال اخرى، فخصلة الكرم مثلا تجعل الانسان في كمال اعلى، وان توافرت فيه، ولو قليلا خصلة الكذب، وهكذا.

وخلاصة القول: ان وجهة النظر الاسلامية - كما اتصورها تصنف الدوافع في منحيين هما: العقل وتضع له قوى وخصالامتصلة به، وفي قباله الشهوات والملذات وتضع لها خصالا متصلة بها، ثم يضع خطا معتدلا بين تلك الدوافع لتحريك الانسان من خلالها.

ونلاحظ ذم الاسلام للاسراف: (ولا تسرفوا ان الله لا يحب المسرفين)، (ان المسرفين كانوا اخوان الشياطين)،والاسراف، هنا، اشمل من الاسراف المادي، وهو يشمل الاسراف المعنوي ايضا.

فالاسراف يشمل الافراط في السلوك، في اي جانب، من دون ان يكون لذلك حاجة واقعية، فعندما يسرف الانسان في الاتجاه العقلي، وينسى حاجياته المادية، فانه ينطبق عليه عنوان المسرف، وكذلك من يسرف في الاتجاه الشهوي.

بل ان الانحراف عن الطبيعة البشرية يعد اسرافا، كما في قوله: (انكم لتاتون الرجال شهوة من دون النساء، بل انتم قوم مسرفون) [الاعراف/81]. قول الرسول(ص): (ولكن بعثني بالحنيفية السمحة)(44) او في المروي في الصحابة الثلاثة الذين آثروا ان يعتزلوا النساء والطعام والطيب، واجابهم النبي(ص): )اما اني آكل اللحم، واشم الطيب، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)(45).

وهذه النصوص تشير الى ان الاعتدال هو المطلوب: (كذلك خلقناكم امة وسطا) بالاضافة الى ان الانبياء والاوصياء،عندما يزداد عندهم الاتجاه العقلي، فانما يعني ذلك القدرة على موازنة الطلب والحاجة الى اعلى مستويات الموازنة،فقد يكون على حساب انفسهم لامر هو اعلى في الميزان الالهي، كما نلاحظه في: (انما نطعمكم لوجه الله). وهنا يكون الامر لهدف سام هو الخلوص وشكر الله النابع من صفاء نفوسهم، بل قد يلاحظ بعض الزيادة، كمساواة الضعفاء من الناس عند اللباس البالي او لاعطاء اعلى مستوى من الصورة الكمالية للانسان، ونلاحظ تعليلا علويا لذلك المؤمن من اصحابه(ع) عندما قال له: (هذا انت يا امير المؤمنين في جشوبة ماكلك! فقال امير المؤمنين: (ان الله اخذ على الحكام ان يواسوا ضعفة الناس حتى لا يبير بالفقير فقره...).

فقد يتصور الانسان ان الوصول الى تلك المرحلة السامية غير يسير، فمن خلال هؤلاء الصفوة يتعرف على امكانية ذلك.

ففي رواية عن امير المؤمنين(ع) انه قال: (العقل والشهوة ضدان ومؤيد العقل العلم، ومزين الشهوة الهوى، والنفس متنازعة بينهما فايهما قهر كانت في جانبه)(46).

فالنفس تتكون عندها القوة على احد الاتجاهين، وبذلك تتكون وتقوى خلال تلك الحالة القوة العقلية؛ وذلك بالتعلم والمعرفة اكثر، فان هذه القوى تكون اقدر على لجم القوة الشهوية؛ اذ يعد الهوى المؤثر في تزيين الشهوة.

والتعبير ل (مؤيد للعقل ومزين للشهوة) لا يخلو من فائدة كبيرة؛ اذا ان العقل يتعرف الامور بشكل تلقائي، بينما الشهوة تحتاج الى من يزين لها ذلك العمل، فتتوق وتشتهي عمله.

قال الامام الصادق(ع): (طوبى لعبد جهد لله نفسه وهواه، ومن هزم جند هواه ظفر برضا الله)(47).

ونلاحظ اسمى تعبير عن ذلك ما اثر عن امير المؤمنين(ع): (يا دنيا اليك عني فقد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها). فهو اسمى حالة من حالات التجرد النفسي من الماديات، طرحه امير المؤمنين(ع) في الوصول الى الله، ولكنه لم يمتنع عن الاكل اوالشرب او الزواج، بل سار في حياته في شكلها الطبيعي قدر حاجته، لكن لم يجعل هذه الدنيا وشهواتها وملذاتها تقوده وتجعل منه عبدا لها، بل هو الذي قادها.

وبكلمة مختصرة، فان الاعتدال هو في موازنة حاجيات البدن عبر السلوك الصحيح اليه، اي عبر الطرق المباحة، مع الاخذ في الاعتبار ان ما يصل اليه ياخذ منه قدر حاجته من دون نهم، ويكون العقل هو ميزان تغذية هذه الحاجات.

ثالثا: دوافع الطاعة والمعصية

قد اتضح لنا، من خلال ما سبق بحثه ان القوتين المؤثرتين، في توجيه الانسان، هما القوة العقلية، وتوجهه الى العلووالقوة الشهوية وتوجهه الى الدنو.

فالنفس تتركز فيها القوى جميعها، فتقوم باستعمالها في تحريك ارادة الانسان نحو الغاية المعينة، فهي تواجه قوتين من خلال هذا التنظيم، فالقوة الاولى هي مصادر الشهوات وتتعلق بشكل مباشر باستمرار حياة الانسان الدنيوية، والقوة الثانية علوية، وهي العقل (الكمال) لترفع الانسان الى الاعلى.

الا ان النفس، في موازنتها بين هاتين القوتين، هي اقرب الى اعطاء الاولوية الى القوة الارضية المتعلقة بالبدن وشهواته،الا ان تكون نفس الانسان يستطيع تقوية ارادتها بالعقل منذ البداية، لتكون طوع ارادته على قيادة النفس ومؤثراتها،فيكون سلوكه معتدلا او اقوى منذ البداية. وهنا نجد مصدرين لتاييد هذا المعنى هما:

الاول هو من خطبة للامام علي(ع): فان رسول الله(ص) كان يقول: (ان الجنة حفت بالمكاره، وان النار حفت بالشهوات،واعلموا انه ما من طاعة الله شيء الا ياتي في كره، وما من معصية الله شيء الا ياتي في شهوة، فرحم الله رجلا نزع عن شهوته، وقمع هوى نفسه، فان هذه النفس ابعد شيء منزعا، وانها لا تزال تنزع الى معصية في هوى)(48).

والثاني ايضا من حكمة(49) للامام علي(ع): )وانما هي نفسي اروضها بالتقوى لتاتي آمنة يوم الخوف الاكبر وتثبت على جوانب المزلق).

ونلاحظ، من خلال النص الاول، ان النار، وهي، نتيجة المعاصي، قد حفت بالشهوات، وهو قول الرسول الاكرم(ص)وقد اوضحه الامام علي(ع) حيث قال: (وما من معصية الله شيء الا ياتي في شهوة).

فان دوافع الشهوات هي الموجه الى المعصية، بل اضاف(ع): (انها لا تزال تنزع الى معصية في هوى)، ما يشير الى الدوافع نحو المعصية، او التعبير عن ذلك بالنزوع، وهو معنى التوجه نحو الشي ء، فكانما النفس الانسانية هي في توجهها نحو المعاصي كبيرة من خلال الشهوات الا ان يصل الانسان الى مرتبة اعلى بقمع الهوى المؤثر في التوجه نحوالشهوات. ولعل ما اشار اليه(ع) في كلمة اخرى(50) الناس ابناء الدنيا ولا يلام الرجل على حب امه)، وهذا تعليل لاسباب هذا الحب لكونهم في الحياة الدنيا التي عبر عنها بكونها امهم.

اما النص الثاني فيشير الى المعنى الثاني المتمثل في ان تربية النفس على المعاني التكاملية العالية انما تتم بالتقوى،وهي ما يجعل النفس الاكثر ضعفا امام تلبية رغباتها الارضية تتوجه بشكل اكبر الى المعاني العالية والقرب الالهي.

وتتدخل التربية بشكل كبير لتوجيه قوى العقل وتقويتها، فتقوى القدرة الارادية النفسية لتاخذ مجالا اكبر في التاثير على قوى النفس الشهوية، بما تزرع فيه من تقوية قوى الخير، لتكون طينته اكثر استعدادا لتقبل تلك الطاقات الفاعلة.

وقدلاحظنا، من خلال روايتي ابن مسكان وابن نباتة، ان الخصال المتعلقة بالعقل ست خصال، وهي: اليقين والقناعة والصبروالشكر والحياء والدين. وفي قبالها قوى الشهوات(51) وهي: الاستكبار والحرص والحسد وما تشعب منها، وهو حب النساء وحب الدنيا وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب العلو والثروة(52).

فالقوى الاساسية، المتواجدة في كل انسان، من الناحية العقلية، هي: اليقين والقناعة والصبر والشكر والحياء والدين،والقوى المواجهة لها هي قوى الشهوات والحرص والكبر والحسد وما تشعب منها.

الا انه بمراجعة هذه القوى العقلية، من الناحية النفسية، نرى انها تمثل قمة الكمال النفسي عند الانسان، وبما ينمي هذه القوى ويقويها يستطيع ان يؤثر، ويكبح جماح القوى الشهوية، الا ان الشهوية تظل القوة الضاغطة الاقوى، فحب العلو،وهو احدى شعب هذه القوى، يجعل عامل الحسد قويا في الانسان، لان من ينافسه في تلك المناصب هو محل نبذ من الناظر من هذه الناحية، فبعض الناس تقوى عندهم هذه القوة، وآخرون تقوى عندهم قوة الصبر على الحالة التي هم فيها، وآخرون تقوى عندهم قوة الحياء53)).

بالاضافة الى ان قوى الشهوات (الغرائز) هي في الاساس للمحافظة على حياة الانسان ووجوده، فهي المبادرة في العمل، فالطفل يبدا بشرب اللبن لغذائه، ويتطور باستعمال يديه للاكل، وتتطور قدراته في الدفاع عن النفس بل واستعمال الغرائز الاخرى، وتتغير الاساليب خلال مراحل حياته، والتربية تاخذ المجال الاقوى في تحريك القوى العقلية، وهنا نلاحظ تاثير التربية في بلورة القوة العقلية عند الانسان، فكلما تقدم العمر منهم من تكون قوة اليقين اقوى وآخرون قوة الصبر وهكذا.

والخلاصة ان صراع الدوافع يؤثر فيه الاتجاه الارضي الذي يعد قويا الا ان التربية الجيدة تخلق دوافع للسمو الى الاعلى تساعد الانسان على مواجهة مصاعب التزيين الارضي وغوايته.

واساس المعصية هو قوى الشهوات، وهي: الاستكبار والحرص والحسد.

واساس العقل (الطاعة) هو اليقين والقناعة والصبر والشكر والحياء والدين.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا، وهب لنا رحمة.

-----------------------------------------------

الهوامش

25- د. محمود البستاني، علم النفس الاسلامي، 1/7 # 26. وتعد نظرية الدكتور البستاني من اقوى النظريات العلمية في‏هذا الاطار.

26- الوسائل، جهاد النفس، ب 9، ح‏2، الرواية صحيحة.

27- الالم حالة لا شعورية تكشف لنا عن النزاع القائم بين الجسد والقوى الخارجية، وتدل على عدم التكيف، ومدى ماينشا عن ذلك من اتلاف للطاقة. واللذة تدل على اتصال افعال الجسد بالقوى الخارجية ومؤلفاته اياها، وعلى ما ينشامن ذلك من زيادة في الطاقة ونمو الفاعلية. اما حال الخلو من اللذة والالم فهي حال متوسطة تدل على التكيف التام بين‏الجسد والشروط الخارجية من دون ان يكون هناك زيادة او نقصان في الفاعلية. د. جميل صليبا، علم النفس، ص 199،نقلا عن كتاب سيكولوجيا العواطف لريبو، ص 76.

28- د. نبيل السمالوط‏ي، الاسلام وقضايا علم النفس الحديث، ص 86 # 113.

29- اصول الكافي، 2/12، باب فطرة الخلق على التوحيد.

30- البحار، 1/355.

31- اصول الكافي، 1/10، باب كتاب العقل والجهل.

32- نفسه، 1/20، درس 14، من كتاب العقل والجهل، والحديث طويل الا انه ضعيف بعلي بن حديد لفطحيته.

معجم‏رجال الحديث، 11/20، البحار، 1/388، ح‏30، نقلا عن تحف العقول في وصية الامام موسى الكاظم(ع) لهشام بن‏الحكم.

33- الاربعون حديثا، ب‏11، الفطرة، ص 177.

34 - البحار، ج‏1، ح‏9، ص 342.

35- البحار، ج‏1، ح‏8، ص 42. ونجد، في الرواية، ان في سلسلتها المفضل بن صالح ابو جميلة، وهو متهم بالغلو، ولم‏يوثقه النجاشي، وذهب السيد الخوئي الى ذلك ايضا الا انه وقع في اسناد كامل الزيارات التي يوثق سلسلتها الكثير من‏اعلام الطائفة، معجم رجال الحديث (الخوئي)، 18/286.

وجاء في صحيحة اسحاق بن عمار، قال: قال ابو عبداللّه(ع):من كان عاقلا كان له دين، ومن كان له دين دخل الجنة‏)، البحار، ج‏1، ح‏20، ص 347.

36- ملا صدرا الشيرازي، الاسفار، 8/129 # 133 (بتصرف).

37- تلخيص المحصل، ص 491 # 506.

38- جامع السعادات، 1/37.

39- راجع: الحديث الذي سبق ذكره: (ان اللّه ركب في الملائكة...).

40- يمر الانسان، في اطوار حياته الفردية، بست مراحل هي: المرحلة الاولى: هي بروز الاستعدادات الاولية عند الانسان في الاستعداد للاكل الكثير، او حب المال والذات، كثيرا ام‏لا. وفي هذه المرحلة تكون التاثيرات التربوية ضعيفة، وندعي ان هذه المرحلة تمتد منذ الولادة حتى سن السابعة،انطلاقا من الحديث: (الولد سن سبع سنوات، وعبد سبع سنوات، ووزير سبع سنوات، فان صلح والا فاضرب‏على...).

المرحلة الثانية: هي مرحلة التربية الجادة، ويتم فيها التاثير على القدرات النفسية والعقلية التي يحملها الانسان، وهذه‏المرحلة تعد الاكبر، اذ يصبح من الممكن التاثير على تنمية بعض الاستعدادات او ردعها.

المرحلة الثالثة: هي مرحلة التاثير البيئي الاقوى، لان الفرد يخرج في هذه المرحلة من البيت، فيتاثر بالاصحاب‏والاصدقاء والمحيط، فتكون التاثيرات الابوية اضعف عليه، بالاضافة الى احساسه بتكامله في مرحلة المراهقة، مايجعل المؤثرات اقل فاعلية.

المرحلة الرابعة: وهي العشرينات، ويبرز فيها تمام الشخصية الناشئة بما تملك من قدرات ومؤهلات، وهي مرحلة‏الزواج غالبا، اذ يبدا الفرد في اعادة صياغة الكثير من المبادى والتصورات النفسية.

المرحلة الخامسة: وهي الثلاثينات، وهي مرحلة تبدا فيها المكونات النفسية المائلة الى الاستفادة من الخبرات السابقة،بالاضافة الى بداية اتخاذ الكيان النفسي صلابته، ويقل هذا المجال التربوي.

المرحلة السادسة: وهي مرحلة الكهولة وهي من الاربعين حتى الستين× حيث يبدا الفرد بالهدوء والعقلانية اكثر وتكون‏النفس اكثر فاعلية.

41- نهج البلاغة، ص 42، ج‏1، خطبة 1 حزن: الغليظ الخشن، سبخ: المالح، سنها بالماء حتى خلصت: عالجها بالماءحتى صارت طينا خالصا. لاطها: خلطها، لزبت: ثبتت واشتدت، اذهان: عقول، يجيلها: يحركها، يختدمها: اي يستخدمهافي مربه، اجتبالتهم: صرفتهم).

42- لا نريد ان نتمادى اكثر في توسيع النظرية، والا فان الحديث المروي: (السعيد سعيد في بطن امه، والشقي شقي في‏بطن امه‏). يشير الى ان التكوينة التي في هذا الانسان هي نفسها ستوصله الى السعادة، او الى الشقاء، الا ان حدود النظرية‏لا يمكن اطلاقها لوجود مقيدات العدالة لكلا الامرين من خير وشر.

43- البحار، ج‏8، ح‏59، ص 141. الحسين بن محبوب (ثقة‏). رجال الخوئي، 5/86. وابو ولاد حفص بن سالم (ثقة‏). نفسه، 6/136. (امر مريج : ملتبس ‏مختلط).

44- الوسائل، ص 48، من مقدمات النكاح، ج‏14، ح‏1، ص 74. محمد بن يعقوب عن عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمد الاشعري، عن ابن القداح، عن ابي‏عبداللّه(ع) قال: (جاءت امراة عثمان بن مظعون الى النبي(ص) فقالت: يا رسول اللّه ان عثمان يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج رسول اللّه(ص) مغضبا، يحمل نعليه حتى جاء الى عثمان، فوجده يصلي، فانصرف عثمان حين راى رسول‏اللّه(ص). فقال له: يا عثمان، لم يرسلني اللّه بالرهبانية× ولكن بعثني بالحنيفية السمحة، اصوم واصلي، والمس اهلي،فمن احب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح‏).

45- المصدر نفسه، ح‏2. ( عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن ابي داود المسترق، عن بعض رجاله، عن ابي عبداللّه(ع) قال: ان ثلاث‏نسوة اتين رسول اللّه(ص) فقالت احداهن: ان زوجي لا ياكل اللحم، وقالت الاخرى: ان زوجي لا يشم الطيب، وقالت‏الاخرى: ان زوجي لا يقرب النساء، فخرج رسول اللّه(ص) يجر رداءه حتى صعد المنبر، فحمد اللّه واثنى عليه، ثم قال:ما بال اقوام من اصحابي لا ياكلون اللحم، ولا يشمون الطيب ولا ياتون النساء!؟ اما اني آكل اللحم واشم الطيب وآتي‏النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني‏).

46- غرر الحكم، الامدي.

47- مصباح الشريعة،

48- نهج البلاغة، خطبة رقم 176، ص 379.

49- نفسه، حكمة رقم 295، ص 469.

50 - نفسه، من كتاب له الى عثمان بن حنيف، خطبة رقم 45، ص 317.

51- صحيحة ابي بصير قال: ( قال ابو عبداللّه(ع): اصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد، فاما الحرص فان‏آدم(ع) حين نهى عن الشجرة، حمله الحرص على ان ياكل منها، واما الاستكبار فابليس حين امر بالسجود لادم فابى،واما الحسد فابنا آدم حيث قتل احدهما صاحبه‏) الكافي، باب اصول الكفر واركانه، ج‏2، ص 289، ح‏1.

52- الكافي، باب ذم الدنيا، ح‏11، ج‏2، ص 130. محمد بن مسلم بن شهاب قال: ( سئل علي بن الحسين(ع): اي الاعمال افضل عنده عز وجل؟ فقال: ما من عمل بعدمعرفة اللّه، جل وعز، ومعرفة رسوله(ص) افضل من بغض الدنيا، وان لذلك شعبا كثيرة وللمعاصي شعبا، فاول ما عصي‏اللّه به الكبر، وهي معصية ابليس حين ابى واستكبر وكان من الكافرين، والحرص، وهي معصية آدم وحواء حين قال اللّهعز وجل لهما: ( كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين‏)، فاخذا ما لا حاجة بهما اليه، فدخل ذلك‏على ذريتهما الى يوم القيامة× وذلك ان اكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به اليه، ثم الحسد، وهي معصية ابن آدم×حيث حسد اخاه فقتله، فتشعب من ذلك حب النساء وحب الدنيا وحب الرئاسة وحب الراحة وحب الكلام وحب‏العلو والثروة، فصرن سبع خصال فاجتمعن كلهن في حب الدنيا، فقال الانبياء والعلماء بعد معرفة ذلك: حب الدنيا راس‏كل خطيئة: والدنيا دنيا آن: دنيا بلاغ ودنيا ملعونة‏).

53- العلوي المروي: من كساه الحياء ثوبه لم ير الناس عيبه. 323