|
والمستند الفقهي لهذه المسالة عدة وجوه هي:
1- اذا جوزنا المرتبة الثالثة من الامر بالمعروف والنهي عن، المنكر (التوسل بالاجبار والفرض) كما يذهب اليه اكثر، الاصحاب، ومنهم الامام الراحل، فانه يمكن وبالاعتمادعلى، تلك الادلة هناك تجويز اجراء الحاكم التعزير في موارد، تشخيصه للمصلحة، واذا كنا لا نقبل هذا المبنى نتيجة، الاشكالات الواردة على ادلته وقصورها عن اثبات هذاالمدعى، فانه يمكننا التمسك بالادلة الاتية: 2- الروايات التي استدل بها صاحب الجواهر هنا والتي تفيد ان، كل شيء له حد، وكل من يتجاوز ذلك الحد فعليه حد، من، قبيل صحيحة داودبن فرقد عن الصادق(ع) عن رسول اللّه (ص)، ان اللّه قد جعل لكل شيء حدا وجعل لمن تعدى ذلك الحد، حدا»(61). الا ان الاستدلال بهذا النوع من الاخبار مبني على كون الحد، الوارد في ذيل الرواية انما هو بمعنى التعزير الا انه يمكن، القول: ان الحد هو بمعنى حدود نهاية الشيء، كما كانالحدان: الاول والثاني في الرواية بغير معنى التعزير قطعا، وانما هو، بالمعنى المتناسب مع ذاك الشيء ولا سيما مع نظرية عموم، (جعل لكل شيء »، فمثلا الحد في القتل العمديهو القصاص، وفي الخطا الدية، وفي موارد التعدي على اموال الاخرين هناك، حد ونهاية للامر، وهو وجوب رد المال المغتصب، وفي حالات، الاتلاف الضمان بالمثل او القيمة وبهذا المعنى يكون الحد في، الجملة الثانية، اي (لمن تعدى ذلك الحد حدا». 3- وقد تمسك في الجواهر بدليل آخر في هذا المجال، وهو، النصوص والروايات الكثيرة التي ذكرت التعزير في موارد، مختلفة (ومنها ما تقدم في الفصل السابق مفصلا)واجازته، للحاكم الشرعي، ومن استقراء هذه النصوص يمكن الاطمئنان، بعدم الخصوصية في مواردها، وانما تتصل القضية باي معصية، كبيرة تم ارتكابها، (مضافا الى امكاناستفادته ايضا من استقراء، النصوص»(62). وفي اية حال يحصل فيها الفقيه اطمئنانا بعمومية الحكم فانه، بلا شك يكون قد احرز ما هو الحجة، والا فانه لا بد له من، مواصلة سعيه وبحثه لتحصيل الحجة الشرعية. 4- يمكن مع عدم الاخذ بالادلة المتقدمة التمسك بهذا الوجه، وهو ان واحدة من وظائف الحكومة الاسلامية هي جعل الجو، الحاكم على المجتمع جوا مملوءا بالمعنويات وسيادة الاسلام، وتصفية المجتمع من اي نوع من انواع التلوث، وتزيينه، بالاحكام الالهية، وذلك الى حد انه وحتى لا يتعرض هذا، الهدف لاي محذور، فقد جعل عدم تظاهراهل الذمة بكل ما هو، من المنكرات والمعاصي في نظر الاسلام والتزامهم عمليا بهذا، الامر، جعل ذلك من شروط الذمة القطعية التي لا يمكن، التغاضي عنها ابدا، وهذا الامر هو من الثبات والاحكام بحيث ان، نقضه موجب لانهيار عقد الذمة من اساسه حتى لو لم يسجل، شرطا ضمن العقد والتعاهد. ومن هنا، وبالرغم من انه يمكن ان يكون شرب الخمرة والزنى، واكل لحم الخنزير والسفور ولعب القمار وامثال ذلك حلالا، عند الكفار بحسب مذهبهم، الا انهم غير مجازين فيهتك، الحرمة والتظاهر بمثل هذا النوع من المعاصي في مجتمع، المسلمين. وهذا الامر هو مورد وفاق كافة علماء الشيعة، من متقدميهم الى، المتاخرين والمعاصرين منهم، كما في كلمات المحقق الحلي، حيث جاء: (الرابع: ان لا يتظاهروا بالمناكيركشرب الخمر، والزنى واكل لحم الخنزير ونكاح المحرمات، ولو تظاهروا بذلك، نقض العهد»(63). وقد نقل صاحب الجواهر عن ابن ادريس الاجماع على هذا، المطلب(64) كما يعرض الامام الخميني الراحل(قده) هذا، الشرط ايضا شرطا ثالثا من شروط عقد الذمة، فيقول: (الثالث:، ان لا يتظاهروا بالمنكرات عندنا كشرب الخمر والزنى واكل، لحم الخنزير ونكاح المحرمات»(65). والمستند الروائي لهذا الحكم هو صحيحة زرارة عن الامام، الصادق(ع) ان رسول اللّه(ص) قبل الجزية من اهل الذمة على، ان لا ياكلوا الربا ولا ياكلوا لحم الخنزير ولا ينكحواالاخوات ولا، بنات الاخ ولا بنات الاخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه، ذمة اللّه وذمة رسول اللّه»(66). وفي الحقيقة كيف يمكن التصديق بان شريعة من الشرائع، مهتمة الى هذا الحد بعدم تلوث المحيط الاجتماعي، بالمنكرات، الى درجة انها لم تسمح للكافرين، بالتظاهربالمنكرات التي قد تكون جائزة على مذاهبهم وحدت، بذلك من حرياتهم، لكنها في الوقت نفسه لم تحرم هذه الامور، على افراد المسلمين الا في دائرة التشريع، اما من، الناحية العملية فقد تركتهم احرارا، ولم تسمح للحاكم الشرعي، بمواجهة هذا الامر مواجهة جادة للحيلولة دون اشاعة الفحشاء، والمنكرات من خلال قلع مادتها بالتعزير وممارسة الوسائل، الاجبارية؟، هذا الامر يمثل شهادة محكمة على انه كما ان الشارع في، مرحلة التشريع قد حد من حرية الانسان في موارد المنكرات، ومن جملتها السفور، فقد حد ايضا من حريات الانسان في، المحيط الاجتماعي وعد الحاكم الشرعي مسؤولا عن مواجهة، ذلك. اما انه الى اي حد تسنح الظروف في مجتمعنا الحالي بتطبيق، هذا المبدا الالهي السامي؟ وهل ان المواجهة الجادة الى درجة، ممارسة التعزير مع ظاهرة السفور تستدعيوتترافق مع نتائج، سلبية او لا؟... ان تشخيص ذلك راجع بلا شك الى الحاكم، الشرعي نفسه، وهذا امر آخر خارج عن المطلوب من هذا البحث، المخصص لتعيين حدود الحريةالشرعية من وجهة النظر الفقهية. ه مخالفة المقررات الحكومية وعدم مراعاة مصالح النظام، ان ضرورة حفظ نظام المجتمع ليست فريضة الهية فقط، وانما، هي، في نظرة اخرى، امر عقلائي وعقلي، ومجرد التوجه اليها، يوجب التصديق بها.، في نظر العقل والشرع، فان اي نوع من انواع الحرية يمكن ان، يوجه ضربة الى نظام الامة وخصوصا النظام الالهي سوف يكون، ممنوعا، ومن هنا وفي اطار الحرية العقلائية والشرعية فان باب، اي نوع من المخالفة لمقررات حفظ النظام بحيث يكون النظام قائما عليها سواء من طرف المواطنين ام من طرف متولي، الامور، وبدءا من دفع الضرائب ورعاية قوانين السير الى وظائف، المسؤولين امام من هم ارفع منهم مسؤولية، وخلاصة كافة، المقررات القانونية ان ابواب هذه الامور جميعها مقفلة. ان محدودية حرية المواطنين قبال المقررات ليست من، مختصات الحكومة الاسلامية، وانما هي محل تاكيد وقبول، شديدين من كافة انظمة الحكم في العالم، ومن هنا فان الفقهاء، العظام والمراجع الكرام يجيبون على الاستفتاءات الواردة اليهم، حول مخالفة المقررات الحكومية على الشكل الاتي: (ان، مخالفة المقررات الحكومية ليس بجائز( او (ان مخالفة، المقررات التي يتوقف عليها حفظ النظام حرام(. ان التركيز على اهمية رعاية مصالح المسلمين ونظام، الجمهورية الاسلامية في كلمات الامام الخميني (قده) يتخذ، شكلا آخر، فهو يتكلم عن حرية القلم والصحافة فيقول: (ان حرية القلم وحرية التعبير لا تعني حريتهما بما فيه خلاف، مصلحة البلد، او ما فيه خلاف الثورة التي قدم الشعب الدماء، امامها، ان مثل هذه الحرية ليس صحيحا... اننا نحترمالصحافة، والقلم اللذين يعرفان معنى حرية التعبير وحرية القلم». واهانة المقدسات، هناك عناصر في الرؤية العلوية تحتل فقهيا وبلا شك مكانة، خاصة من الحرمة والمقام الرفيع، وهتك هذه الحرمة حرام، ولا، يمكن تجويزه تحت اي عنوان، ومن هنا ينتزع عنوان قداسة هذه العناصر. ان على راس هذه السلسلة الشخصية المنقطعة النظير لخاتم، الانبياء النبي الاكرم محمد(ص) وايضا عترته المعصومين(ع)، والانبياء الالهيين(ع) والقرآن الكريم والكتب السماوية والاسلام، والكعبة، وفي الرتب الاخرى تاتي المساجد والاماكن المقدسة. وهنا يمنع باتفاق الفقهاء جميعا اي نوع من انواع الحرية، المطلقة بالنسبة الى هذه المقدسات حتى من قبل الانسان غير، المعتقد بها. وهذا الامر ليس منحصرا بالمدرسة الاسلامية، بل يمكن، وفي، نظرةكلية، القول: ان اهانة المقدسات امر منكر وغير مقبول، لدى كافة الامم والمجتمعات المتمدنة، كما يحصل في قباله، مواجهة جادة، ويقفل باب الحرية امامه. لقد كانت هناك مواجهة حازمة جدا مقابل هذا الامر في، المذهب الشيعي العلوي، بحيث انه متى ما حصلت اهانة لرسول، اللّه(ص) والائمة المعصومين(ع) على شكل سباب غير لائق فان، الفقهاء جميعا يتفقون على ان فاعل ذلك مستحق للقتل، كما، يذكر صاحب الجواهر بعد استعراضه كلام الشرائع في هذا الامر، فيقول: (بلا خلاف اجده فيه بل الاجماع بقسميه عليه((67). وبلا شك فان اتفاق الفقهاء على هذا الحكم معتمد على نصوص، معتبرة، وهي التي جمعها صاحب الوسائل تحت عنوان: (باب، قتل من سب النبي(ص) او غيره منالانبياء(ع)(68) وفي باب آخر بعنوان: (باب قتل من سب عليا(ع) او غيره من، الائمة(ع) ومطلق الناصب مع الامن)(69). اما اذا كانت اهانة رسول اللّه(ص) او احد الائمة(ع) او الصديقة، الكبرى(س) والعياذ باللّه على شكل آخر غير السب فان فاعل، ذلك مستحق للتعزير حتما. ان لزوم وقوف حاكم الشرع بجدية هنا، ولو وصل الامر الى، التعزير، ليس من مختصات هؤلاء العظماء(ع) بل انه جار في اي، امر معدود من الناحية الفقهية من المقدسات كالانسان، المؤمن، او الشعائر المذهبية المعروفة... واساسا ميزان القداسة، من الناحية الفقهية هو في عد الاهانة لذلك الشيء فعلا محرما، في واحد من المصادر الفقهية، او جعلتعظيمه وتقديره واجبا. ومع الاخذ بعين الاعتبار هذا الميزان، تكون للانسان المؤمن، سيما اذا كان منتسبا الى المذهب والزعامة الدينية قداسة، وهتكه واهانته حرام، ويمكن للحاكم الشرعي في حال تشخيصه، المصلحة اجراء التعزير عقوبة على هذه الاهانة، كما يمكنه، للحيلولة دون انتشار هذا الامر التفكير في اي نوع واي وسيلة، من وسائل المنع. والامر الجدير بالانتباه هو ان عنوان تعظيم الشعائر يمكنه ان، يترك اثرا مهما في عمل هو بنفسه مستحب، بحيث يحوله الى، واجب عيني او كفائي، وفي هذه الحالة يمكن للحاكم الشرعي، بل يجب عليه اجبار الامة على القيام بهذا العمل. ومن المصاديق البارزة لهذا الامر زيارة رسول اللّه(ص) التي، يقول عنها العلامة الحلي في ارشاد الاذهان: (ويجبر الامام، الناس على زيارة النبي (ص) مع تركهم)(70). ان زيارة الحرم النبوي امر مستحب في نفسه، الا انه حيث عد، من الشعائر الالهية، فان الحاكم الشرعي يمكنه ممارسة اجبار، الامة على القيام به حينما يرى ان هناك نوعا منعدم الرعاية، واللامبالاة به. ويسند المقدس الاردبيلي(71) في ذيل هذه العبارة، فتوى، العلامة هذه بصحيحة الفضلاء (حفصبن البختري وهشام بن، سالم وحسين الاحمسي وحماد ومعاوية بنعمار)، الذين، يروونها عن الامام الصادق (ع): ولو تركوا زيارة النبي (ص) لكان، على الوالي ان يجبرهم على ذلك، وعلى المقام عنده، فاذا لم، تكن لهم اموال انفق عليهم من بيت مال المسلمين»(72). ثم يستشكل المقدس الاردبيلي على هذا الاستدلال بانه كيف، يكون ترك الزيارة التي هي امر مستحب مسوغا لضرب الحاكم، واجباره على امتثالها؟ ! ان الجمع بين هذينالامرين ليس، خاليا من الشبهة، وهو غير ممكن على ما يظهر. والذي يبدو هو ان ما ذكره المقدس الاردبيلي قابل للنقد، وذلك لانه اذا كانت زيارة النبي(ص) حتى مع ترك الامة اياها، باقية على استحبابها، ولم تتخذ عنوانا آخر لها، فانه لنيكون، هناك قطعا اية امكانية لتفسير الجمع بينها وبين الاجبار من، قبل الحاكم، الا انه مع الاخذ بعين الاعتبار هذا الامر، وهو ان، زيارة الرسول(ص) هي من شعائر اللّه، وتعظيم الشعائر واجب، على الامة، فهنا بلا شك سوف تاخذ هذه الزيارة صبغة الوجوب لنفسها، ومن هنا سوف يكون ذلك منسجما ومكملا لمسالة، اجبار الحاكم عليها. ما معنى لا اكراه في الدين؟ وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه، وهو: اذا كانت الحرية في نظر الشرع محدودة على هذا الشكل، اذا فما معنى (لا اكراه في، الدين)؟ اذا لم يكن الدين اكراهيا فكيف يمكنتوجيه جميع، هذه الحدود المقفلة لباب الحرية وان للحاكم الشرعي، استعمال الحدود والتعزيرات لمواجهة اية مخالفة؟! لقد جرى التمسك بهذه الاية الكريمة: (لا اكراه في الدين قد، تبين الرشد من الغي) [البقرة/256] مرارا وتكرارا لتبيين موقع، الحرية التشريعية الدينية، كما ومن دون اعمالالتامل العميق، في تجزئة الاية وتحليلها تحليلا معمقا ومع القيام باستنتاجات، حرفية تفيد بان رسالة الدين هي حرية الانسان، او ان الدين قد، ذم اي نوع من انواع الاكراه والتوسل بالجبر جرى المرور على، الاية عن طريق التخطي وبسرعة عابرة، على الرغم من انه، توجد هناك عدة نكات دقيقة جديرة بالانتباه فيها، ومع اخذها، بعين الاعتبار فاننا سوف نصل الى ان الاية الشريفة ليس لها، ربط بالحرية التشريعية والقانونية. والمسالة العمدة هنا هي ان الجملة الخبرية القرآنية على، نوعين: 1 ـ فاحيانا تكون في مقام الاخبار والحكاية عن امر خارجي. 2 ـ واحيانا اخرى تكون بصدد انشاء حكم تكليفي او وضعي، وتشريعه. المسالة الاخرى هي ان مصطلح الدين في الثقافة القرآنية، والروائية ياتي احيانا بمعنى مجموعة القوانين الشرعية، واحيانا، اخرى بخصوص معنى الاصول الاعتقاديةالدينية.، ومع الالتفات الى هذين الامرين، نطالع آية: (لا اكراه في، الدين) ونسال: هل ان (لا اكراه) اخبار او انشاء؟ هل ان مفردة، الدين هنا هي بمعنى مجموعة القوانين والاحكامالاسلامية، او، بمعنى خصوص الاصول الاعتقادية؟، فاذا كان مفاد الاية انشائيا او اخباريا، وكان الدين بمعنى، مجموعة القوانين، فان الاية بلا شك سوف تكون بمعنى انه لا، يوجد في المقررات المقدسة الاسلامية اي نوع من انواعالحكم، او القانون الاكراهي، وذلك لان كلمة (الاكراه» جاءت نكرة كما، انها وقعت في سياق النفي، فهي مفيدة للعموم على اساس، القواعد البلاغية. ووفقا لذلك، سوف تثار عشرات الاسئلة من هذا الباب في الفقه، ومن ذاك، وذلك لان هناك الكثير جدا من الموضوعات في، مختلف جوانب الفقه المتفرقة ممتزجة بالاكراه والاجبار، وبشكل مسلم، سواء في باب العقوبات كالحدود والديات، والقصاص ام في ابواب المعاملات كالبيع والاجارة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة والدين والقرضوالرهن والنكاح والطلاق، ومن هنا يرحب المطالعون العطاشى والمبتدئون، او بعض، المدعين للفضل والعلم المغرض، ويعرضون حسب توهماتهم، التناقضات الموجودة بينالكتاب وسنة النبي(ص) والعترة(ع)، فكيف لا يثيرون هذا التساؤل بعد حملهم وبكل غرور (لا اكراه، في الدين بلى المعنى الانشائي وهو: اذا لم يكن الدين بحكم، (لا اكراهفي الدين)اكراهيا اذن فما معنى حد السرقة وشرب، الخمر؟! وكذلك حد الزنا والرجم والقذف؟ اذا لم يكن ثمة اكراه، في الدين فكيف نوجه اجبار الزوجة التي اسلمت حديثاعلى، الانفصال عن زوجها الكافر؟! ما هو ميزان اجراء الحدود، والتعزيرات على الافطار في شهر رمضان او اكل الربا؟ واذا لم، يكن هناك اكراه في الدين فكيف يتسنى اجبار اسير الحرب، على قبول الاسلام؟ ولماذا تمنع تجارة كتب الضلال؟ ومن اية، جهة ينفذ القتل بوصفه عقوبة على المرتد الفطري؟ واساسا ما، هو معيار النهي عن المنكر والمواجهة العملية مع العصاة؟ اليس الجمع بين هذا النمط من الاحكام وبين آية (لا اكراه في، الدين) يستبطن نوعا من التناقض؟ ان المسالة الحساسة والدقيقة جدا هنا هي انه اساسا (لا اكراه، في الدين) ليست من نوع الجمل الانشائية، ومن ثم فهي ليست من النداءات التشريعية وهذا معناه انها لن تكون مسوقة ابدا، مساق الاعلام عن حرية الانسان في مجال تنفيذ الاحكام الفردية و الاجتماعية، ومنح الامة حق تحديد برنامج حياتها، وفق رغباتها الخاصة، حتى تظهر هذهالاسئلة جميعها في، مجالات الفقه المختلفة، ويبرز هذا التناقض المتخيل، بل ان، (لا اكراه في الدين) هي من نوع الاخبارات الحاكية عن واقعية، تكوينية وخارجية، وهي المسماة باسم الحرية التكوينية للانسان، في مجال الاعتقادات والتصديقات الذهنية، وهي بالتالي بصدد، تفهيم ان الدين الذي روحه هو ذلك الايمان بالاصول، الاعتقادية لايتحمل الاكراه، ولا طريق للجبر اليه تكوينا. ولاجل ايضاح المراد من الاية الكريمة من الضروري لفت، الانتباه الى امر مساعد في فهمها، الا وهو ان الانسان كما انه، مختار في اعماله ونشاطاته الجسمية، كذلك هو حرتكوينا في، تصديقاته الذهنية والاعتقادية، بل ان حرية الانسان واختياره، في مثل هذه الامور يتمظهران بصورة اكثر شفافية ودقة، وذلك لان الجبر ليس مستحيلا في دائرة الافعال الانسانية، الجسمانية الظاهرية، فمن الممكن ان يحجم الانسان عن، القيام بعمل ما نتيجة معارضة عنصر اقوى مخالف ومانع له عن، القيام بهذا العمل، كما انه من الممكن ان يجبر على ترك عمله الاانه لا مجال للاجبار عقلا في المسائل الاعتقادية، ولا يمكن، لاي انسان ممارسة الاجبار على التصديق القلبي والايمان، الاعتقادي بشيء ما، نعممن الممكن ان يجبر انسان ما على، الاعتراف بان الليل حاصل الان في ظرف رؤيته للشمس، الا انه، يرى دائما في اعماق قلبه وروحه ان مقولته باطلة ومستحيلة، حتى لو اذعن لها بالجبر والتهديد. وعلى هذا الاساس فان المسائل الاعتقادية لن تكون قابلة، للاجبار والاكراه، سواء كانت حقة ام باطلة، واعمال الجبر في، الاعتقادات القلبية محال، وهي بالتالي سوف تعتمد دائما على، الاختيار والانتخاب، ذاك الانتخاب المبتني على مقدمات، يمكن ان تكون مقارنة للصحة، ويكون الاذعان الحاصل منها، صحيحا متطابقا والواقع، كما يمكن ان تكون غير تامة، ومن ثم، يكون التصديق الحاصل منها باطلا. ووفقا لما تقدم يتضح ان (لا اكراه في الدين) ليست ابدا بصدد، بيان انشاء تشريعي، وانما في مقام الحكاية عن واقعية خارجية، تكوينية تسمى الحرية التكوينية الانسانية فيمجال الامور، الاعتقادية والتصديقات القلبية، بحيث يصبح المقصود من، (الدين( في الاية مجموعة الاصول الاعتقادية (التوحيد، النبوة الامامة ) لا كافة القوانين الشرعية. ومن الواضح ان ذهنية، الانسان في ما يرتبط بالاصول الاعتقادية لا تخلو من حالتين، فاما ان تكون اي الاصول الاعتقادية واضحة ومبرهنا عليها، بحيث يقبلها من اعماق قلبه بلا شك ويذعن لها مختارا، او انها، من وجهة نظره مبهمة وغير تامة، ولا اقل مشكوكة، بحيث انه، لا يعتقد بها قطعا، وفي كلتا الصورتين يبدو الاكراه والاجبار، غير ممكنين، وذلك انه مع الاخذ بعين الاعتبار النقطة سالفة، الذكر، فانه لا مجال للاكراه اصلا في المسائل الاعتقادية، والتصديقات الذهنية، ومن هنا فهي لا تتقبل الاجبار مطلقا، فالشخص الذي، على اثر الشبهات، لا يقبل بوجود اللّه تعالى ولا، يعتقد به لا يمكن اجباره على التصديق والايمان القلبي، بوجوده، وان كان يمكن، على اثر قوة قاهرة، اجباره، على الاعتراف اللساني بذلك، الا انه من المستحيل ان يذعن، لذلك من اعماق قلبه. وبناء عليه فالمراد من الاية الشريفة (لا اكراه في الدين) لا سيما، مع النظر الى جملة (قد تبين الرشد من الغي) هو انه لا يمكن، في مجال الدين والذي تمثل اصوله الاعتقادية(التوحيد، النبوة، الامامة...) روحه ممارسة الاجبار بل هو لا يتقبل ذلك، ومن هنا فاذا اردنا ان نجعل عند الطرف الاخر المخاطب لنا، ايمانا قلبيا بالدين نابعا من اعماق الروح، فاننا مجبورون على، جعل رشد الدين وكماله شفافا وواضحا امامه (قد تبين الرشد، من الغي). وهنا نضع يدنا على هذه النقطة القيمة والمهمة الا وهي ان (لا اكراه في الدين) لا نظر فيها اخبارا او انشاء الى عدم جبرية، القوانين والاحكام الدينية في مرحلة التشريع اوالاجراء، والتنفيذ، حتى تتناقض مع عشرات الموارد التي سمح فيها، للحاكم الشرعي بالاستعانة بالجبر والفرض، وهناك لا نكون، ملزمين بالبحث واجراء التخصيص المستهجن او ابراز توجيه، للاية الكريمة، بل ان هذه الاية انما هي بصدد الاخبار عن، واقعية تكوينية مبنية على ان الدين والذي هو عبارة عن، الاصول الاعتقادية لا يتقبل الاجبار، ولامجال للاكراه فيه ابدا. حدود الحرية الانسانية من المنظور العرفاني، عرفنا ان الانسان، من وجهة النظر الكلامية، موجود حر ومختار، تكوينا، وتوصلنا من وجهة النظر الفقهية الى انه محدود، الصلاحية في مرحلتي التشريع والعمل لا مطلقها، وبعبارة، اخرى، فان دائرة الحرية التكوينية الانسانية المثبتة كلاميا، محددة في النظام التقنيني الشرعي بحدود وقيود معينة، مفصلا. وهنا يصل بنا الكلام الى تحقيق حرية الانسان وبحثها من، المنظور العرفاني.، ومن هذا المنطلق فان حدود الحرية هنا تتجاوز تلك الحدود، والقيود الفقهية، وبعبارة اكثر دقة، فانه كلما ازداد حرمان، الانسان من الحريات المادية النفسانية فان جوهر نفسهوروحه، سوف يحظى بحرية اكبر، وعلى هذا الاساس فليس جزافا اذا، قلنا: ان الانسان الحر واقعا في المنظور العرفاني هو ذاك، الشخص الذي وقع اسيرا للمعشوق الحقيقي. ان على الانسان في تصور العرفان العلوي فك تعلقه برغباته، وميوله النفسانية، ومع قطعه للتعلقات والامال المملة والعابرة، يجعل نفسه اسيرا للمعشوق الابدي، وهو لا يتجنبالحرام، الالهي فقط، بل انه يفرايضا من الامر المكروه، كما انه لا يمتثل، الواجب الالهي ويرتدي اجمل لباس الاخلاص في مقام العمل، فحسب، بل انه يعطي الاهمية للمستحب ايضا. فالانسان العارف، هو ذاك الشخص الذي يسعى، وبصورة مستمر ة، لتحصيل رضا، معشوقه، ولهذا فاي شيء يحبه هذا المعشوق فانه يقبله، واي، شيء بكرهه فانه يبغضهايضا، وعلى حدقول امام العارفين، علي(ع) فان المتقي هو من عظم الخالق في انفسهم فصغر ما، دونه في اعينهم)(73). ويقول الامام الصادق(ع): العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع، اللّه تعالى، ولو سها قلبه عن اللّه تعالى طرفة عين، لمات شوقا، اليه)(74). ميزة الانسان الحر في العرفان العلوي، ان تحصيل ما تقدم لا يمكن من دون رعاية ركنين يمثلان، في، الرؤية العلوية، جوهر العرفان وهما: 1 ـ التخلية. 2 ـ التحلية. اما التخلية ف هي اعدام كافة التلوثات النفسانية التي هي سبب، صدا القلب، يقول الامام الصادق(ع):ان للقلوب صدا كصدا، النحاس فاجلوها بالاستغفار)(75). وعلى الانسان الحر عرفانيا في هذه المرحلة ان يركز سعيه، وجهده الكبيرين على ازالة رذائله وقبائحه جميعها، وتزكية، روحه من كافة الادران والظلمات، فالحر في العرفانالعلوي هو، ذاك الشخص الذي يعرف نفسه ويحررها من كافة العلائق، والرذائل.، العارف من عرف نفسه فاعتقها ونزهها عن كل ما يبعدها، ويوبقها)(76). الا حر يدع هذه اللماظة لاهلها؟ انه ليس لانفسكم ثمن الا، الجنة فلا تبيعوها الا بها)(77). اما التحلية فهي تزيين صفحة الروح بالزينة المعنوية، اي بزينة، ذكر اللّه تعالى، بالعبادة والتواضع والطاعة الخالصة امامه. وفي، هذه المرحلة يسعى الحر لتحقيق خطوة اخرى، الاوهي، الانطلاق بنفسه التي زكاها من ظلمات التعلقات الدنيوية الى، نور محضر الرب تعالى، وهو في قفزة مباركة وعظيمة يصوغ، عشقه للّه تعالى في معبد الذات، حتى لا يفكر بغيره، فلا يعبد، سواه وحسب، بل انه لا يعبده رغبة للجنة او خوفا من النار، وانما يعبده فقط وفقط لعشق ربوبيته وجماله وجلاله، وفي هذا، يقول امام العارفين علي(ع): ان قوماعبدوا اللّه رغبة فتلك، عبادة التجار، وان قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، وان، قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الاحرار»(78). وبصيغة مختصرة، حقيقة الحرية في المنظور العرفاني تكمن، في التحرر من شيء وعنصر ما والاسر والارتباط بعنصر آخر، التحرر والخلاص مما سوى اللّه عز وجل، والاتصال والتعلق، المطلق بذاته تعالى.، وبعبارة اخرى، حرية الانسان هي تعلقه باللّه تعالى عينه، والاسر، له، فكلما كان اكثر عبودية للّه تعالى كان اكثر تحررا.
--------------------- الهوامش: 61- وسائل الشيعة، ج18ص 310. 62- جواهر الكلام، ج41ص 448. 63- م.ن، ج21 ص 270. 64- م.ن. 65- تحرير الوسيلة، ج2، ص501. 66- وسائل الشيعة، ج11، ص95. 67- جواهر الكلام، ج41، ص432 435. 68- وسائل الشيعة، ج18، ص458. 69- م.ن، ص461. 70- مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الاذهان، ج7ص 426. 71- م.ن. 72- وسائل الشيعة، ج8ص 16. 73- نهج البلاغة، الخطبة: 193. 74- مصباح الشريعة، ص 519. 75- عدة الداعي، ص 249ميزان الحكمة، ج3ص 2616. 76- غرر الحكم، ش 1788. 77- نهج البلاغة، الحكمة: 456. 78- م.ن، الحكمة: 237.
|
|
|
|
|