الفرق الاجتماعي للمراة واحكام المساواة بين الجنسين:

ان الوظيفة الاجتماعية الموهل لها كل من الرجل والمراة هي التي حددت عمليا مكانة الاول قائدا، والثانية تابعة، وهو ما نلمسه على صعيد الواقع الاجتماعي السائد في جميع ،الازمنة،فكيف يفسر المولف ذلك؟ يقول: (الاسلام ساوى بينها وبين الرجل من حيث تدبير شوون الحياة بالارادة والعمل، فانهما متساويان من حيث تعلق الارادة، بما تحتاج اليه البنية الانسانية في الاكل والشرب وغيرهما من‏ لوازم البقاء، فلها ان تستقل بالارادة ولها ان تستقل بالعمل وتمتلك نتاجهما كما للرجل ذلك من غير فرق: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فهما سواء في ما يراه الاسلام ويحقه القرآن..).

لكن المولف يقرر تبعا لذلك ان اللّه من اجل تكون المجتمع على الصورة التي هو عليها لمصلحة الانسانية ميز المراة بخصلتين.

الاولى: انها بمنزلة الحرث في تكون النوع ونمائه، فعليها يعتمد النوع في بقائه، فتختص من الاحكام بمثل ما يختص به الحرث، وتمتاز بذلك عن الرجل.

والمولف يرى ان تكون المراة كذلك ميزة وليس نقيصة لها بما يودي الى حصول الرجل على درجة في الفوقية.. اما (الميزة) الثانية فهي ان وجود المراة مبني على لطافة البنية ورقة‏الشعور، ولهذه الميزة تاثير في احوالها والوظائف الاجتماعية المحولة اليها.

وهنا يطرح الواقع سواله المثير للجدل: هل كان ممكنا للمراة ،ان تغري الرجل وتجذبه لكي يتم التزاوج وبقاء النوع الانساني لو لم يكن فيها هذه الميزة.. اللطف والرقة؟! ومعروف ان الرقة ‏واللطف عمليا هما حالة من حالات الضعف الانساني في اقرار الفائز في صراع القوى الذي يحدد البقاء للاقوى احيانا، وان المراة عبر التاريخ لم تشارك في القتال والمعارك التي رسمت ‏التاريخ الانساني بمقدار ثلثي مسيرته الطويلة، بل يتحمل الرجل وحده تلك المسوولية الجسيمة التي جعلته اقرب احيانا الى الوحشية.

لكن السيد طباطبائي يذكر بالاية الكريمة البالغة الاهمية في مجال النظرية القرآنية الاجتماعية، وهي خطاب للجنسين على الشكل التالي: (ولا تتمنوا ما فضل اللّه بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن، واسالوا اللّه من فضله ان اللّه كان بكل شي‏ء عليما). (النساء/32) ثم يفسرها مجملا نظريته كما يلي: (ان الاعمال التي يهديها كل من الفريقين الى المجتمع هي الملاك لما اختص به من الفضل، وانه من هذا الفضل ما تعين لحوقه بالبعض دون البعض كفضل الرجل على المراة في سهم ‏الارث وفضل المراة على الرجل في وضع النفقة عنها فلا ينبغي ان يتمناه تمن، ومنه ما لم يتعين الا بعمل العامل كائنا من كان كفضل العلم والايمان و العقل والتقوى وذلك فضل اللّه يوتيه ‏من يشاء والدليل على ذلك قوله تعالى: (قوامون على النساء). فهل تتساوى الفضائل هذه امام افضلية القوامة، وقد اشار اليها المولف على انها فضل من اللّه لا ينبغي ان تتمناه المراة لانه يسي‏ء الى النظام الاجتماعي؟.

واقعيا - شئنا ام ابينا- فان هناك نظرة ‏دونية من الرجل نحو المراة، ولم تفلح كل نظريات المساواة في منع حدوثها، بل ان هذه النظرة الدونية تبدو اكثر وضوحا في المجتمعات المتقدمة في الغرب تبعا لاستقصاءات علمية ‏اشرنا اليها، واذا استطاعت امراة هناك ان تسبق الرجال تتقدم عليهم اعتبر ذلك حالة فوق الاعتيادي كانما هي من حالات الفضل الذي يحق لها ان تتفاخر به.

والمدهش ان المولف في‏عرضه للنظرية الاجتماعية الاسلامية يعرض ماهية الواجبات التي على المراة ان تقوم بها ومنها: العلم باصول الدين والمعارف، بينما لا يجب عليها (العمل الصناعي المنتج: كنظام العلوم ‏واتخاذ الصناعات والحرف المفيدة للعامة والنافعة في الاجتماعات مع حفظ الحدود الموضوعة، وانها اذا استطاعت ذلك (وهو ليس محظورا عليها) كان ذلك فضلا لها تفاضل به وفخرا لها تتفاخر به، وقد جوز ذلك الاسلام بل ندب الى التفاخر به) (ص 273).

والسيد المولف يلجا هنا الى السنة النبوية لتعزيز وجهة نظره حول جواز سعي المراة لكي تحتل مكانة عالية في مجتمعها، مستخدما السيرة النبوية مثالا، وبخاصة سير النساء حول النبي(ع)كخديجة وفاطمة، ونساء النبي، ونساء اهل البيت الشهيرات اللواتي عرفن باستقلالية اجتماعية بارزة، مثل سكينة بنت الحسين وزينب بنت علي بطلة كربلاء وغيرهن.

والمراة تشارك الرجل في جميع الاحكام العبادية والحقوق الاجتماعية، فلها ان تستقل في جميع ما يستقل به الرجل من غير فرق لا في الارث ولا في الكسب ولا في المعاملة ولا في‏التعليم والتعلم ولا في اقتناء حق والدفاع عنه وغير ذلك.. ثم ان نفقتها على الرجل: الاب او الزوج، وان عليه ان يدافع عنها منتهى ما يستطيعه، وان لها حق تربية الولد وحضانته، وهي‏ محمية النفس والعرض حتى عن سوء الذكر، وان العبادة موضوعة عنها ايام عادتها ونفاسها الخ...) (ص 272).

ولكن لماذا يقل نصيبها في الارث عن الرجل؟.

يرى المولف - تبعا لتاويل القرآن- ان اختصاص الرجل بالنفقة على المراة الواقعة تحت وصايته (ابا ام زوجا) وراء التشريع  الالهي هذا وهذا يعني في الحسابات الواقعية انهما عمليا يقتسمان الارث مناصفة، ولكنها تتنازل عن ثلث سهمها للرجل مقابل نفقتها.. اي انها تعطيه الثلث مقابل ان تاخذ النصف، (فيرجع في الحقيقة - كما يعرف المولف- الى ان ثلثي المال في‏الدنيا للرجال ملكا وعينا، وثلثيهما للنساء انتفاعا)، لكنه يستطرد معللا بشكل اكثر اثارة للجدل حين يقول: ان التدبير الغالب ان وضع غالبية المال في يد الرجل تحديدا وله حرية التصرف فيه‏ يرجع الى غلبة التعقل على الرجال، والتمتع الغالب للنساء لغلبة الاحساس.

ثم يجري السيد طباطبائي بحثا واسعا من الجزء الرابع حول جدلية الارث (من ص 222 الى 233)، ويعقد مقارنات مفصلة بين الارث في الامم التي وضعت تشريعات متقدمة وبين الارث في الاسلام، معتبرا ان الارث في الاسلام بني على قاعدة الرحم التي هي من الفطرة الثابتة التي رسمت‏ الدين الاسلامي في كامل تشريعاته، بما في ذلك اخراج الادعياء (اي الابناء الذين يلحقون بالنسب الحاقا) من احقيتهم فيه.

فالنساء في نظريته، يملكن ثلث ثروة الدنيا ويتصرفن في ثلثيها عمليا، وهن حرات مستقلات في ما يملكن، لا يدخلن تحت قيمومة دائمة ولا موقتة ولا جناح على الرجال في ما فعلن في ‏انفسهن بالمعروف (ج‏4 ص 229).

لقد بنيت النظرية الاجتماعية في الاسلام، تبعا لذلك، على امتلاك الرجل للقيادة العليا، فهو آمر الصرف عمليا لانه الاكثر تعقلا، لهذا حجبت القيادة عن المراة لان توليها القيادة مخالف‏ للفطرة ولا يساهم في بناء المجتمعات الانسانية على الشكل الافضل.

فهل من مجال، والحال هذه للاجتهاد في قضية المراة، وبخاصة في ضوء ما بلغته التشريعات الحديثة من تقدم في مجال حقوق المراة؟.

على صعيد الامثلة المقارنة، يتقدم المولف بمثال واقعي تويده كل الاستقصاءات المسحية في علم الاجتماع عن وضع المراة حديثا، رغم كل التشريعات في مجالي النظرية والتطبيق في‏ المدينة الاوروبية ليقول:(على ان الملل المتمدنة من الغربيين لم يالوا جهدا منذ مئات السنين في تربية البنات مع الابناء في صف واحد، واخراج ما فيهن من استعداد الكمال من القوة الى ‏الفعل، وانت مع ذلك اذا نظرت في فهرس نوابغ السياسة والقضاء والتقنين وزعماء الحروب وقوادها لم تجد شيئا يعتد به من اسماء النساء ولا عددا يقبل المقايسة الى مئات الالوف من‏الرجال.. وهذا في نفسه اصدق شاهد على ان طباع النساء لا تقبل الرشد.. الخ..).

الجملة الاخيرة، من حكم القيمة الذي استخلصه المولف، تعبر فعلا عن واقع مرير في نظر النساء في هذا العالم.. ذلك ان حكم الرجال للعالم وتعقلهم لم يمنع من شن الحروب وسفك‏الدماء ودمار الحضارة الانسانية الاخلاقي - رغم الصعود التقني- اذن: الا يعبر ذلك عن مشروعية سوال معاكس: هل لو تسلمت النساء قيادة العالم لكان الوضع الانساني افضل من جهة‏ انسانية، او ادى الى تضاول الحروب وسيادة الرحمة والاحاسيس اللطفية في العالم؟.

والحقيقة ان المولف السيد طباطبائي، في مجال تحليل نظريته، يدين الرجل لانه لم يلتزم رغم تعقله بتطبيق النظريات الاخلاقية التي جاءت بها الاديان.

فهو يرى ان الازمنة الحديثة تتسم ‏بسيادة العاطفة وغياب التعقل، وهو ما ادى الى نشوب الحروب الكبرى التي هي من هدايا المدينة الحاضرة كما يقول، فلا تشريعات المساواة بالمراة ادت الى حصولها على حقوقهاالسياسية والوصول الى القيادة، ولا حكم الرجل البعيد عن الالتزام بالتعقل و الدين والقيم الكبرى ادى الى تحسين وضع الانسانية، فما هو الحل لواقع بشري بهذه المرارة؟.

بكل تاكيد، ومن منطلق التزامه بالاسلام، فان المولف منحاز الى الايديولوجيا الاسلامية كما عبر عنها من خلال نظريته الاجتماعية في مسالة طرفي المجتمع، (الرجل والمراة)، (فالمراة ‏دعيت الى التحجب وقلة مخالطة الرجال وتدبر المنزل وتربية الاولاد) (ص 229).

ثم دعيت الى العمل المنتج ، وحضور الحروب كممرضة ومساعدة، وهو مقرر اخيرا ان مسايرة الفطرة‏ التي قررها اللّه سبحانه في سبيل مجتمع انساني افضل هي المجال الوحيد لسعادة البشرية. جدلية التربية والنظرية في التطبيق السيد محمد حسين طباطبائي يقدم نظرية اجتماعية تتسم بالواقعية والبعد عن الفرضيات غير القابلة للتطبيق في مجال التجريب.

وان اختزالها في صفحات معدودة ومناقشتها ونقدها - وهي‏تحتل حيزا واسعا في الميزان- يمكن ان يودي احيانا الى رسم صورة جافة ومثيرة للتساول وبعض الانطباع السلبي، وبخاصة ان اجتهادات حديثة في مدرسة اهل البيت اعطت للمراة ‏حقوقا جديدة، رفضها المولف، في احقيتها بالقضاء والحكم.

لكن المولف لا يتجاهل مناقشة اثر التربية الاجتماعية في تحقيق عدالة تطبيق التشريعات الاسلامية، وبهذا يستكمل استنتاجاته الهامة ان ما يجري على صعيد الواقع من ظلم تتحمله المراة ‏في المجتمعات الاسلامية يعزز النظرية ولا يسي‏ء اليها، ذلك ان هناك مسافة واضحة بين النظرية والتطبق، وان هناك خللا واضحا في التربية الاسلامية، وبخاصة ما يتعلق منها بالمراة في‏الاسرة.

الرجل عمليا يسعى جهده الى حجب المراة عن نيل حقوقها التي شرعها الاسلام.

وهو في العوالم المتقدمة لا يزال يتعامل مع المراة بنظرة دونية الى ابعد الحدود، ولا زالت‏ النساء يناضلن حتى لا يتعرضن للقسوة في المعاملة ومنعهن من الارث واسدال حجاب لباسي قاس وغير شرعي تحت مظلة اجتهادات اسلامية متعسفة، وهو يقرر بصرامة (ان الذي اصيب‏ به الاسلام في مدة سيرها الماضي هو فقد الاولياء والصالحين والقوامين المجاهدين، فارتدت بذلك انفاس الحكام، وتوقفت التربية ثم رجعت القهقرى، ومن اوضح ما افاده التجارب‏القطعي: ان مجرد النظر والاعتقاد لا يثمر اثره ما لم يثبت في النفس بالتبليغ والتربية الصالحين..) (ص 276).

لهذا فهو يحمل الحكام ورجال السلطة المسوولية الكاملة عن ذلك، ولا تتحمل النظرية الاسلامية -التي يعتبرها قمة الكمال التشريعي- اية مسوولية تذكر بل انه يعتبر ان المدنية الغربية ‏نهجت طريق الاسلام عندما قررت منح المراة حقوقها التي لم تحصل عليها في الواقع جوهريا رغم كل شي‏ء فالتربية الحديثة ما زالت تقدم المراة على انها دون الرجل في جميع الامم وهي (اي المراة) تحتاج الى ازمنة مديدة في المستقبل حتى يمكن ازالة اثر قرون طويلة سلفت من عصور اضطهاد المراة. هذه المسافة، بين النظرية والتطبيق، يمكن تجاوزها بوسيليتن اساسيتين: الاولى تحقيق العدالة على قمة السلطة بوصول اصحاب الحق بالحكم المتوفرة فيهم شروط العدالة، والثانية التزام ‏التربية الاسلامية الصحيحة.

والمولف في المجالين يقدم عبر كتابه فلسفة كاملة استقاها من تاويله للقرآن الكريم، لابد من الرجوع اليهما في مكانهما من كتابه.

لهذا يمكن استخلاص نتيجة رئيسية من مجمل نظريته الاجتماعية تتمثل في ان تحرر المراة ينبع فعليا من تحرر المجتمع (رجالا ونساء) ولا يمكن تجزئة الحلول لان لا فائدة على صعيدالتطبيق من هذه التجزئة.

ان تحقيق العدالة المطلقة على هذه الارض يبدو شيئا مستحيل التحقق من خلال دراسة مسار التاريخ  ومع ذلك فان الاعتراضات العديدة الموجهة للنظرية الاجتماعية الاسلامية تمتلك‏ احيانا بعض المصداقية، فقد جاء نظام تشريعات الزواج - رغم فطريته وواقعيته- مجحفا نفسيا بالمراة، فهو يقسرها على قبول الشراكة بالزوج مع نساء اخريات، زوجات كن او ملك يمين ورغم ان هذا العصر انهى مرحلة الجواري، مما زالت المراة تعاني من الاضطهاد النفسي لعلمها ان حل المسالة الجنسية للرجل حتى في جانبها العادل (واعني الزواج ،الثاني من اجل‏الانجاب او التفريغ الجنسي او اتخاذ العشيقات كما في المدنية الغربية او نظام تعدد الزوجات المشرع الخ..) كل ذلك يتم على حسابها، مع كل ما فيه من اشعارها بالدونية والعذاب.

والحقيقة ان التشريعات التي يمكن ان تعط‏ي المراة العصرية كامل ما تطمح اليه من حقوق لم ولن تظهر الى الوجود، في المستقبل المنظور على الاقل.

لهذا يبقى التشريع الاسلامي هو الافضل والاكثر واقعية وعدالة، مع كل ما في جدلية النظرية والتطبيق، في مجال قضية المراة، من مرارة واثارة للجدل والصراع.