التفريق بين الارهاب الدولي ومقاومة الاحتلال في العلاقات الدولية

 

رسالة دكتوراه في الحقوق للباحث هيثم موسى حسين.

المدرس المساعد في كلية الحقوق جامعة حلب مقدمة إلى جامعة عين شمس قسم القانون الدولي العام تحت إشراف أ.د عبد العزيز محمد سرحان أستاذ القانون الدولي لعام بكلية الحقوق ، جامعة عين شمس.

يقول الطالب: إن الأعداء المتربصين سواء بالإسلام والمسلمين. والعرب منهم بطبيعة الحال ـ حاولوا ولا يزالون بشتى الوسائل والأساليب إحياء المقولة التي كانت شعارا لعمليات التطيهير العرقي والإبادة الجماعية والتي نفذها منذ عدة قرون الأوروبيون الغزاة يحق الهنود الحمر سكان القارة الأمريكية الأصليين، وذلك بغية القضاء عليهم أو تهجيرهم، تمهيدا لاحتلال أراضيهم واستعمارها ونهب ثرواتها، وكانت هذه المقولة تقول:((الهندي الصالح هو الهندي الميت)) ولتصبح في الزمن المعاصر بعد محاولات أحيائها وتطبيقها عمليا على الشكل التالي: ((المسلم أو العربي الصالح هو المسلم أو العربي الميت)) وصفة الميت الملازمة للشخص الموصوف هنا لا تعني بالضرورة الموت الجسدي والمادي فحسب بل تشير كذلك إلى الموت المعنوي والانكسار النفسي والانهزام الروحي وهذا الموت الأخير أشد فتكا وأكثر أيذاءا وتأثيرا على حياة الشعوب والأمم من الموت الأول ذلك لانه ما انهزمت الأمة معنويا وماتت من داخلها فان شوكتها تنكسر وتضيع هيبتها بين الأمم ويصبح من السهل على أعدائها افتراسها واستعبادها.

ويقول الطالب: وتحقيقا لهذه الأهداف فإن أعداء العرب والمسلمين ما برحوا ينشطون في توظيف جميع الوسائل والأساليب التي تكفل لهم من حيث النتيجة استمرار سيطرتهم وهيمنتهم على الشعوب العربية والإسلامية بصرف النظر عن أية اعتبارات قانونية أو أخلاقية وكأننا نعود بمثل هذه الممارسات غير المشروعة ونحن في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين إلى تطبيق عملي مباشر لمبادئ وقواعد القانون الدولي الأوروبي المسيحي الذي كان سائدا في القرون الوسطى والى وقت ليس بعيد والذي كان لا يعترف إلا بالدول الغربية المسيحية كأشخاص وحيدة لهذا القانون لها حقوقها وامتيازاتها ولا يراعي إلا مصالحها وأهدافها على حساب باقي الدول والشعوب الأخرىـ ومنها الشعوب العربية والإسلاميةـ حيث كان يعتبرها شعوب من الدرجة الثانية لا تتمتع بأية حقوق دولية فيما اعتبر أرضها جزءا من الدول الغربية المسيحية أو مستعمرات تابعة لها.

ويقول الطالب: من مظاهر العودة غير المحمودة سعي بعض الدول الكبرى وبعض حلفائها لاعادة ترتيب أمور المجتمع الدولي، وإعادة صيغة مفاهيمه ومصطلحاته وقواعده القانونية وفقا لمنطق النظام الدولي الجديدـ المزعوم وسيادة القطب الوحيد فيه ـ حيث بدأت هذه الدول بإعادة النظر في قرارات الشرعية الدولية التي اتخذت في فترات سابقة ضد مصالحها، وبحجة أنها أصبحت غير متلائمة مع الأوضاع الدولية الراهنة حيث تم فعلا في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1992إلغاء القرار السابق المتخذ عام 1975والذي كان يساوي بين الصهيونية والعنصرية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة ـ مع ملاحظة أن الأسباب الداعية لاتخاذ القرار عام 1975لاتزال موجودة وقائمة حتى تاريخه.

كذلك نلاحظ وقوف هذه الدول في وجه أي دعوة دولية جادة وصادقة للمشاركة في وضع تعريف موحد للإرهاب الدولي ووضع الحدود الفاصلة بينه وبين مقاومة الاحتلال.

وذلك حتى يبقى الإرهاب الدولي شعارا سياسيا بيد هذه الدول يشهره بدون وجه حق كيفما تشاء في وجه من تشاء .

يقول الطالب: أن العلاقة بين الشرعية الدولية والقانون الدولي من جهة وبين المصالح والأهداف الوطنية لبعض الدول من جهة أخرى ثانية تنقلب رأسا على عقب وتهتز من جذورها بحيث تصبح هذه العلاقة علاقة التابع بالمتبوع وبالشكل الذي يؤدي الى دوران (القانون والشرعية الدولية) في فلك (المصالح الوطنية). وفقا لذلك تتعدد معايير الشرعية الدولية في التعامل مع القضايا الدولية المختلفة تبعا لوجهة نظر هذه الدول من جهة وتبعا لاختلاف مواقع وصفات أطراف هذه القضايا ما بين صديق أو عدو لها من جهة ثانية، ومن هنا نشأ مصطلح ((المعايير المزدوجة)) أو (الكيل بمكيالين) وفي نطاق تطبيق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية عليها وبحيث تظهر لنا هذه السياسة وكأنها انعكاس جلي ونتاج واضح لواقع النظام القانوني والسياسي الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة.

يقول الباحث: لقد تنبه المجتمع الدولي إلى خطورة هذه الأعمال الإرهابية وضرورة التصدي لها والوقوف بحزم وقوة ضدها وتجنيد كافة الإمكانات والطاقات إلى سبيل منع الأعمال الإرهابية والقضاء على أسبابها وملاحقة ما عليها، وهذا الواقع المنذر بأقدح الأخطار قد دعا البعض للقول بأن التسليم بوجود الإرهاب الدولي والعنف كظاهرتين أساسيتين في العالم المعاصر، يستتبع القول بأن السلام العارض الذي يعيشه الآن يستند إلى ما يسعى ـ توازن الإرهاب ـ حيث يوجد الضد دائما من الإرهاب والعنف.

يقول الطالب: إلا أنه ومما يؤسف له أن هذه الجهود الدولية الإقليمية لم تصادف غالب الأحيان إلا قليلا من النجاح في مقابل كثير من الفشل والاخفاقات. حيث تحطمت هذه الجهود على صخرة الخلاف حول تعريف عالمي موحد الإرهاب الدولي وانقسام الدول إلى فريقين متناقضين ومتعارضين في وجهة نظرها الى موضوع الإرهاب الدولي وتحديد مضمونه ومفهومه، إذ تمسكت دول العالم الثالث ودول ((الكتلة الاشتراكية سابقا)) بمفهوم الإرهاب الدولي يركز على إرهاب الدولة الذي تمارسه بعض الدول الاستعمارية والعنصرية والاستيطانية بحق الشعوب والدول الأخرى في سبيل فرض هيمنتها وسيطرتها عليها وهذا المفهوم يناقض تماما المفهوم والمضمون الذي أصرت عليه الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والذي يركز على الإرهاب الفردي حصرا.

ويرى الطالب: إنه هناك حاجة ماسة لوجود معايير للتفرقة بين مقاومة الاحتلال والإرهاب الدولي رغم تمايزهما الذاتي والموضوعي خاصة مع إصرار بعض الدول الغربية كالولايات المتحدة، وإسرائيل وكتابهما على الخلط المتعمد بين هاتين الظاهرتين واتخاذ ذلك أداة سياسية وإعلامية لتشويه الحقائق وتزيين الوقائع عبر تلطيخ نضال الشعوب المضطهدة وسمعة حركاتها التحررية التي تلجأ إلى خيار المقاومة المسلحة في سبيل تحقيق أهدافها المشروعة في الحرية والاستقلال وتقرير المصيرـ بشبهة الإرهاب واتخاذ ذلك ـ في بعض الأحيان ـ ذريعة عسكرية لضرب هذه الشعوب والعدوان عليها.

ويرى الطالب: أن مفهوم ((مقاومة الاحتلال)) أضحى حقا مشروعا ومعترفا به لدى جميع الدول والشعوب التي احتلت أراضيها ـ كليا أو جزئيا ـ ويخولها صلاحية أو سلطة النجود إلى العنف المسلح بغية تحريرها والحصول على الحرية والاستقلال وتقرير المصير. وتشكل هذه القواعد والقرارات الدولية النصوص القانونية المكونة أو المؤكدة لشرعية حق المقاومة ـ وتتعاظم أهمية هذا المعيار في حال ممارسة ((حق المقاومة)) وفقا للنصوص القانونية الدولية الناظمة له والمحددة لضوابطه وقيوده والغايات المرجوة منه .حيث أن هذا الحق يتمتع في هذه الحالة فضلا عن صفة ((الشرعية)) بصفة ((المشروعية)) لانه يعتبر استخداما أو تطبيقا صحيحا لهذه النصوص القانونية.

يقول الباحث: إن المقياس الفاصل بين الارهابي والمناضل أوـ مسايرة للمصطلح ـ بين الارهابي لمجرم والارهابي المناضل يتألف من عنصرين وهما: السبب الذي يدفع المناضل أو المجرم للقتال والهدف الذي يسعى كل منهما لبلوغه) ويعتبر هذا المعيار من أهم المعايير في التمييز والتفرقة بين المقاومة والإرهاب الدولي حيث أفراد المقاومة إنما يلجأون إلى السلام بدافع من مشاعرهم الوطنية دفاعا عن أرض الآباء والأجداد ضد العدوان الخارجي أو من أجل تخليص تلك الأرض من براثن الاحتلال الحربي أو الاستعمار.

يقول الطالب: أن الفعل لا يعد إرهابا أو بالتالي لا يعاقب عليه القانون الدولي إذا كان الباعث عليه الدفاع عن الحقوق المقررة للأفرادـ حقوق الإنسان ـ أو الشعوب ـ حق تقرير المصير ـ والحق في تحرير الأرض المحتلة ومقاومة الاحتلال ـ لان هذه الأفعال تقابل حقوقا يقررها القانون الدولي للأفراد والدول ، ومن هنا فإنه حتى لو اختلطت أعمال حركات المقاومة والتحرير الوطني المشروعة ببعض الأعمال الإرهابية نتيجة لضرورات عسكرية قاهرة أو اعتبارات سياسية أو دعائية استثنائية فإنه لا يمكن النظر إلى هذه الأعمال الأخيرة بصفة مجردة وبعيدة عن الإطار الذي ظهرت فيه والأسباب والدوافع المؤدية إليها والأهداف المبتغاة منها.

ويقول الطالب: تحاول بعض الدول ولاسيما ـ الولايات المتحدة وإسرائيل ـ جاهدة تشويه صورة نضال الشعوب المضطهدة وكفاح حركاتها التحررية، عبر تلطيخها بشبهة الإرهاب وتتناس وتتجاهل أنها مارست هذا الحق في فترة من الفترات ضد أعدائها سواء ضد قوات الاحتلال البريطاني التي كانت تحتل إراضي كبيرة، مما يعرف اليوم بالولايات المتحدة حيث اعتبر قادة المقاومة الأمريكية قتل أصحاب ((الستر الحمراء)) أي الجنود الإنكليز والموالين لهم أفعالا وطنية وبطولية.

كما أن اليهود شاركوا في مقاومة الاحتلال النازي للبلاد التي كانوا يسكنون فيها خلال الحرب العالمية الثانية.

ويلاحظ أن حركة المقاومة وافرادها المنضوين تحت لوائها في فلسطين المحتلة أو جنوب لبنان يلتزمون بكلا المعيارين حيث أن هؤلاء الأفراد أعضاء هذه الحركات هم مقاتلون نظاميون وفقا للاتفاقيات الدولية النافذة كما انهم يقومون بعملياتهم العسكرية ضد القوات الإسرائيلية وفقا لقيود وضوابط قانون الحرب والقانون الدولي الإنساني.

ويقول الطالب: أن مسألة الضحايا من عمليات المقاومة عند تقسيم مثل هذه الأعمال يجب النظر إلى موقع هؤلاء الضحايا في الصراع الدائر بين هذين الطرفين المتحاربين وعلاقتهم بكلا هذين الطرفين بمعنى معرفة هؤلاء الضحايا هل يتبعون للطرف المعادي بشكل مباشر أم أنهم يتبعون طرفا ثالثا، وإذا كانت الجريمة الدولية تمثل عملا دوليا غير مشروع من حيث القاعدة العامة فإنه لا يكف القول بوقوع مثل هذه الجريمة، حدوث الفعل المكون لها، بمجرد انطباقه من الناحية الشكلية على النموذج المجرم في النص القانوني المنشأ والمحدد لهذه الجريمة.

وهكذا يعتبر لجوء الشعوب المضطهدة والمستعمرة وحركات المقاومة إلى خيارات العنف المسلح أمرا مشروعا وينسجم تماما مع أحكام القانون الدولي و ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية.

ويقول الطالب: إن تعريفا واحدا للارهاب لهو كاف وهو تعريف ريتشارد فولك حيث عرف الارهاب بأنه ((كل عنف يفتقد المبرر الاخلاقي والقانوني بصرف النظر عما اذا كان فاعله ينتمي الى مجموعة ثورية أو حكومة ما) وتطبيقا لذلك فإنه اذا لجأت حركات المقاومة والتحرر الوطني الى ممارسة الارهاب أو تنفيذ بعض العمليات الارهابية في سياق كفاحها المسلح ضد أعدائها تحت تأثير بعض الضرورات العسكرية الملحة والتي تدفعها الى اللجوء الى مثل هذا الخيار في بعض مراحل نضالها إزاء ضعف امكاناتها وعدم مقدرتها على الدخول في معارك مفتوحة واسعة مع هؤلاء الاعداء أو تحت تأثير حالة من الضغوط السياسية الدعائية التي تتحتم عليها مكرهة اللجوء إلى مثل هذه الأساليب الإرهابية لنشر قضيتها العادلة وتنبيه المجتمع الدولي والرأي العام العالمي ولفت أنظارهما إليها فمثل هذه الحالات تشكل بالنسبة لحركات المقاومة الوطنية نوعا من الضرورة الملجئة كما لو كانت ردا على عمليات مماثلة كما في ممارسات إسرائيل.

يقول الطالب: اذا كانت اهداف النظام القانوني الدولي هي تحقيق الامن والسلام الدوليين والمحافظة عليها والدفاع عن استمرارها واستقرارها فلنا ان نتسائل: كيف لهذا السلم والامن الدوليين ان يتحقق وان للعلاقات الدولية أن تستقر وتهدأ في ظل اوضاع دولية ظالمة وغير عادلة نشأت نتيجة لخرق هذه الأهداف والضرب بها عرض الحائط وانتهاك قواعد القانون الدولي والشرعية الدولية وكيف لهذه الأهداف ـ الأمنيات ـ أن تتحقق فيظل علاقات دولية يسودها قانون القوة وليس قوة القانون وحيث تعتدي الدول الكبرى وحلفائها على الدول والشعوب الأخرى الأقل قوة فتحتل أراضيها وتشرد مواطنيها وتطردهم من أوطانهم إن المنطق القانوني السليم إذ حظر أعمال العدوان والاحتلال العسكري واعتبرهما عملين غير مشروعين وباطلين ولا يرتبان أية آثار في مصلحة المعتدي المحتل فقد أعطى في الوقت نفسه كامل الحق للمعتدى عليه في ممارسة حقه المشروع في الدفاع عن النفس وصد العدوان ومقاومة الاحتلال وملاحقة أعدائه المتعاونين معه.

 

رجوع