الجوانب التربوية في معجم الأدباء لياقوت الحموي

 

رسالة دكتوراه للطالب محمد إبراهيم البحتيري، نوقشت في كلية التربيةـ جامعة دمشق. قسّم الطالب رسالته الى الفصول التالية:

•  الأدب ومفهومه

•  التربية ومفهومها

•  والعلاقة بين الأدب والتربية.

 

يقول في بحثه: تتجه الدراسات التربوية الحديثة الى الكشف عن موضوعات التربية في الكتابات الأدبية، فما مدى الصلة بين الأدب والتربية ؟ وهل يمكن الوصل الى قضايا التربية ومشكلاتها، من نصوص الأدب وأخباره ومواقف الأدباء وسير حياتهم، ولبيان هذه الحقيقة يحسن الحديث عن كل من الأدب والتربية، وبيان الصلة بينهما، وأوجه التشابه والاتفاق التي تجعل من الكتابة الأدبية مصدرا غنيا في البحث عن التربية وموضوعاتها.

ويقول: وردت لفظة الأدب بمعنى التدريب والتعليم وهذا واضح في قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم، وحب آل بيته، وقراءة القرآن فإن حملة القرآن في ظل الله يوم لا ظل الا ظله، مع أنبيائه وأصفيائه) ويقول الرسول (صلى الله عليه وآله): (لان يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع).

ويتفق مع هذا المعنى أيضا، قول الرسول (صلى الله عليه وآله): (ما يحل والد ولده من نحل أفضل من أدب حسن). أي لا يعطي والد ولده أفضل من تعليمه الأدب الحسن، ولو أردنا تتبع هذه الأحاديث لطال بنا المقام ونختم حديثنا بقوله (عليه السلام): (من عال ثلاث بنات فأدبهن وزوجهن وأحسن إليهن فله الجنة) أي من قام بما يحتاجنه من نحو نفقة وكسوة وغيرها، وأدبهن بآداب الشريعة الاسلامية، وعلمهن أمور دينهن، وزوجهن من كفئ، وأحسن إليهن بعد الزواج فله الجنة. تطور مدلول كلمة الأدب من المعنى الحسن، الذي يعني الدعوة الى الطعام الى معنى ذهني وهو الدعوة إلى المكارم و المحامد، وشأنها في ذلك شأن بقية الكلمات المعنوية التي تستخدم أولا في معنى حسي حقيقي، ثم تخرج منه الى معنى ذهني مجازي وأخذت لفظة الأدب معنى أخر و أضيق إلى رصيدها المعجمي في العصر الأموي، حين استقرت الامور في هذا العصر، وعمت الخيرات (وانتشرت الثقافة، واشتغل الناس بالعلم، حينذاك راح الخلفاء يتخذون لأبنائهم معلمين، وعهدوا اليهم بتربيتهم فعرفوا بالمؤدبين، ويبدو ان الخلفاء وضعوا شروطا لاختيار المؤدبين، وكان عبد الله بن مروان أكثر خلفاء بني أمية اهتماما باختيار المؤدبين لابنائه، وقد انعكس ذلك الاثر على التاريخ الاموي عامة).

وهكذا اكتسبت اللفظة مدلولا جديدا وهو التعليم وبذلك يكون التطور التدريجي لهذه اللفظة حسيا وتهذيبيا وتعليميا.

وعقد ياقوت الحموي فصلا كاملا في معجم الادباء، تناول فيه فضل الادب وأهله، ويستدل مما ورد فيه على مفهوم الأدب عنده، فقد بدأه بالحديث عن العلم ومكانته وذكر مجموعة من الأخبار في فضل النحو، والفصاحة، وصحيح الطبع، وسلامة الذوق والحياء والأخلاق وذم اللحن في الكلام والخطأ اللغوي و النحوي. وأشار إلى صلة الأدب بهذه القضايا فهي مرتبطة به متداخلة معه واستشهد على ذلك بقول أحدهم.

أرى العم نورا والتأدب حليه           فخذ منهما في رغبة بنصيب

وليس يتم العلم في الناس للفتى        اذا لم يكن في علمه بأديب

ويقول آخر:

ولم أر عقلا صح إلا بشيمة         ولم أر علما صح إلا على أدب

والأدب عنده ما كان ممتعا في سماعه، لطبفا في معناه ويستشهد على ذلك بقول ابن السكيت (خذ من الأدب ما يعلق بالقلوب، وتشتهه الآذان) ووصف الأديب بالشمولية في فكره وثقافته فهو ( من يأخذ من كل شيء أحسنه فيألفه ) وحينا ترجم للأدباء أخذ بهذا المفهوم الموسوعي الشامل فقال: (وجمعت في هذا الكتاب ما وقع ألي من أخبار النحويين، واللغويين، والنسابيين، والقراء المشهورين، والإخباريين والمؤرخين، والوراقين المعروفين، والكتاب المشهورين، وأصحاب الرسائل وأرباب الخطوط المنسوبة والمعينة، والأدب في رأيه زينة للعلم، وشرف للمرء يعلى قدره ولو كان وضيعا ويؤكد ذلك بقول أحدهم:

لكل شيء حسن زينة          وزينة العالم حسن الأدب

قد يشرف المرء بأدبه       فينا وان كان وضيع النسب

ويعد الأدب مفخرة عالية، ومزية كبيرة تؤكد أصالة العربي وبدونها لا يحق له الاعتزاز بعروبته كما يقول قائلهم:

لاخير في رجل حر بلا أدب        لا لا وإن كان منسوبا الى العرب

والفقر الحقيقي يتجلى في الافتقار الى الادب الذي يعد امتلاكه من مظاهر الغنى والسيادة

والترف:

لا فقر أكبر من فقر بلا أدب          ليس اليسار بجمع المال والنشب

ما المال إلى جزازات ملفقة         فيها عيون من الأشعار والخطب

كما يستشهد يقول بزرجمهر: ( من كثر أدبه، كثر شرفه وإن كان وضيعا، وبعد صوته وإن كان حافلا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجة إليه وإن كان فقيرا )

ويقول عن العلاقة بين الادب والتربية: ثمة تشابه واتفاق بين الأدب والتربية وما يرتبط بهما من فلسفة وأهداف ومبادئ، ومفاهيم واتجاهات ، فالأدباء كانوا فلاسفة ومربين، لانهم يمثلون اتجاهات فكرية نحو الحياة والإنسان والمعرفة والقيم والأخلاق والمربون أدباء بما يمتلكون من قدرات على التهذيب والنصح والتوجيه والإرشاد والكشف عن المعارف والعلوم والتأديب والتربية والمؤدبون والمربون، عبارات مترادفة تشير الى عمليات مشتركة، وبناء انساني متشابه يؤكد متانة العلاقة بين الادب والتربية، تلك العلاقة التي تتجلى في مظاهر التشابه والاتفاق بين العلم الادب والتربية ومنها:

1ـ الاعتماد على فلسفة عامة

2ـ التوازي في الاتجاهات والمذاهب

3ـ ارتباط الاهداف بالاتجاهات العامة والتطورات التاريخية

4ـ المشاركة في بناء الشخصية الانسانية

5ـ العمل على النهوض بالامة والارتقاء بمكانتها

6ـ التحلي بالاداب والصفات المشتركة.

وخلاصة القول ان ثمة علاقة قوية بين الادب، وطلب العلم والمعرفة، والعمل على خير الامة والتجلي بالامل، ( فالاديب تنتهي رسالته اذا فقد التفاؤل كما هي عليه حال المربي الذي يفقد كيانه وشخصيته ورسالته في الحياة إذا ماغرس التشاؤم في نفوس أبنائه ).

 

رجوع