المسرح السياسي في سوريا 1967-1990

 


 

رسالة أعدت  لنيل الدكتوراه في الآدب العربي الحديث

إعداد: غسان غنيم

بإشراف: نعيم اليافي نوقشت في جامعة دمشق 1994

 

- منذ فترة ليست بالبعيدة بدأ يتردد في ثنايا الدوريات العربية الأدبية وفي ثنايا بعض الكتب التي تتحدث عن المسرح(المسرح السياسي) الذي لم يكن شائعاً قبل هزيمة حزيران فقد كثرت بعدها المسرحيات السياسية التي تهتم بالفكرة السياسية معالجة وطرحاً جريئاً وطغت حتى صارت ملفتة فاستأثرت بالجدل تأييداً و إستنكارا.

كان المسرح السوري قبل 1967 يتهرب من معالجة القضايا السياسية إلا في الجانب القومي ففرق في الاهتمام بمعالجة القضايا الاجتماعية والتاريخية فشاعت المسرحية الاجتماعية والمسرحية التاريخية التي تعالج شخصيات من التاريخ العربي أو مواقف معينة لأخذ العبرة والعظة ولإظهار الجوانب المشرقة في تاريخنا ولكنه بعد حزيران(نكسة حزيران 1967) وجد أن لا خيار أمامه وأنه لا بد له من الخوض في بحر السياسة حتى أذنيه.

فالأجواء حوله تموج بالسياسة التي أصبحت خبز الجماهير اليومي فاستجاب المسرح بطواعية تامة.

وأقبل على المضمونات السياسية بفهم فعالج أخطرها ليواجه المجتمع وليواجه الهزيمة لدى مفاسدالمجتمع والحكومات وألقى المسؤوليات على أصحابها.

إن الفن السرحي فن متكامل تجتمع فيه فعاليات كثيرة لتؤمن له النجاح فالمخرج المتميز والممثل القادر والديكور المعبر والإضاءة وغيرهذا مما يتطلبه الفن المسرحي ولكن النص يبقى في طليعة هذه الفعاليات جميعاً فهو المنطلق الحقيقي والعصب الرئيسي الذي يحرك غالبية الأشياء في هذه العملية المركبة الصعبة ولا يمكن أن تقوم نهضة مسرحية حقيقية إلا على أكتاف مسرحيين أولا وكتابة مسرحية واعية ثم تأتي بقية الفعاليات الضرورية أيضاً ومن هنا فقد أنصبت دراسة الباحث على النصوص حللها وناقشها واستخلص منها النتائج فيما يخص المسرح السياسي في سوريا وقد جاء البحث في ثلاثة أبواب:

فكان الباب الأول: المسرح السياسي((مقدمات نظرية)) يتحدث بفصوله الثلاثة على القضايا النظرية التي تتعلق بهذا المصطلح من مثل نشأة المسرح السياسي وتجلياته المختلفة في العالم حتى وصل إلى منطقتنا العربية.

ثم قدم دراسة للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي أدت إلى ظهوره في سوريا والمنطقة العربية ودراسة الاتجاهات الفكرية التي شاعت في المسرح السوري في الفترة المدروسة.

أما الباب الثاني: فقد عالج فيه هموم المسرح السياسي السوري المعاصر فقسمه إلى ثلاثة فصول تتحدث جميها علىالهموم التي عالجها المسرح السياسي:

1- الفصل الأول: تناول((هموم المواطن)) كالهم الديمقراطي الذي يتضمن قضية المساواة والعدالة الاجتماعية ومسألة المساواة أمام القانون وقضية الحرية وقضية المثقف وموقف المثقفين من الأحداث السياسية التي مرت بالوطن وموقف المسرح السياسي من المثقف الذي بدأ موقفاً سلبياً يحمل الكثير من بذور الشك والريبة في أخلاق المثقفين وطبائعهم.

2- الفصل الثاني: درس الباحث((هموم الوطن)) وهي كثيرة من مثل الهم القومي المتمثل في الوحدة العربية هماً أساسياً وفي القضية الفلسطنية هماً آخر أخذ حيزاً كبيراً في خارطة المسرح السياسي السوري المعاصر ثم تحدث عن هم الدفاع عن الوطن وعلى الحرب وعرض حرب حزيران ثم حرب تشرين ثم موقف المسرح من الحرب بشكل عام ثم درس الثورة كموضوع رئيسي من موضوعات المسرح السياسي في المسرح السوري المعاصر وقد ربط هذه الأنماط بإنتماءات المسرحيين الفكرية.

3- الفصل الثالث: فقد خصصه للتحدث عن هموم السلطة فعرض للأساليب التي ذكرها المسرح السوري والتي تثبت السلطة أركانها من خلالها ولأساليبها في القضاء على المعارضة من قمع أو إصلاح أو إجراءات أخرى تمتص من خلالها نقمة الناس

أما الباب الثالث: فقد خصصه الباحث ليتحدث عن تقنيات المسرح السياسي التي يتميز بها من خلال كثرة استعمال إياها من خلال ثلاثة فصول:

الفصل الأول: تحدث عن تقنية ((الزمان والمكان)) واستعمال الرموز وقد يسرت هذه التقنية الكثير من الحرية والجرأة للمسرحيين السوريين في تناول موضوعات وقضايا مهمة جداً ومعالجتها بكثير من الحرية.

الفصل الثاني: تحدث عن تقنية ((التغريب)) التي أسقط المسرح السياسي في اللجوء إليها تأثراً بريشه وبمسرحه أولاً ولقدرة هذه التقنية ثانياً على إفادة المضمون السياسي وخدمة هدف المسرح السياسي في إيقاظ المتلقى وعدم السماح له بالفرق في الوهم.

أما الفصل الثالث: فقد خصص للحديث عن التجريب الذي شاع في المسرح السوري بحثاً عن التأهيل لنمط مسرحي عربي ذي هوية متميزة.

قدم الباحث في النهاية نتيجة للموضوع الذي عالجه في أن المسرح أداة سياسية تعالج القضايا السياسية والاقتصادية النابعة من العصر وأن العصر وأن علاقته بالسياسة علاقة حتمية وأكيدة فلا يمكن له الحياة والاستمرار من دونها وخلص إلى أن((المسرح السياسي)) مصطلح جديد نسبياً على المسرح في سورية والوطن العربي وقد فرضته مجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية كان من أهمها هزيمة حزيران التي دعت المسرحيين والفنانيين عامة إلى مواجهة الذات فكانت إنطلاقة المسرح السياسي الذي يتناول قضية سياسية ما أو اقتصادية.

إنه تعبير عن الواقع السياسي الذي استخدمه المسرحيون مادة أساسية في مسرحهم الذي اتسم بمعالجة قضايا ساخنة ميزت المسرح السياسي بل كانت طابعه الأهم لقد تتبع المسرح السياسي الآحداث السياسية التي مرت على سورية وعلى الوطن العربي بعد النكسة فرصد هذه الأحداث وناقشها بكثير من الجرأة والمسؤولية كما رصد الظواهر السياسية والهموم التي عانى منها المواطن في تعامله مع السلطة أولاً ثم مع الوطن وكانت الفترة ما بعد النكسة مليئة بالمسرحيات التي عرت الوضع السياسي وبعد حرب تشرين هدأت هذه الفورة السياسية ففقد المسرح خصمه فاتجهت المسرحية إلى نقدالجزئيات السياسية السلبية كالقمع والفقر والغلاء والرشوة والفساد ولم يتخل الكتاب نهائياً في هذه المرحلة عن نقد أنظمة الحكم.

أخيراً إن ظاهرة المسرح السياسي ظاهرة قد تستمر إذا ما استمرت الأزمات السياسية والاقتصادية فقد رافق ازدهار هذا المسرح في مختلف أنحاء العالم ظهوره أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية عصفت بالمجتمعات فأدت إلى ظهوره وازدهاره إلا أنه سرعان ما اضمحل باضمحلال هذه الآزمات وزوالها ولكن علائم اضمحلال المسرح السياسي في الوطن العربي وفي سورية لم تظهربعد.

 

رجوع