بوابة البحوث

أبو البركات البغدادي (الأنباري) أثر عصره عليه وآراؤه النحوية

Abu Barakat al-Baghdadi (Alenbary) The impact of his era on him and his grammatical views

الباحث: مجيد حميد البديري

Name: Majid Hamid Al-Bdiry

تنزيل البحث بصيغة PDF

Keywords: grammatical; Abu Barakat al-Baghdadi

الكلمات المفتاحية: نحو؛ أبو بركات البغدادي

Abstract:

ملخص البحث بالعربية:

لا يخفى على كل باحث في مجال علم النحو ما لأبي البركات البغدادي أو الأنباري من أثر جليّ في مساره، لما تميز به من ثقافة وسعة إدراك، ووضوح منهج، وحرص على إثبات مواقف مشاهير النحاة من المسائل النحوية، فكانت مؤلفاته النحوية كالمصب العظيم الذي تلتقي فيه شتى الروافد لما تشمل عليه من آراء وأفكار تمثل مختلف الإتجاهات والمدارس النحوية التي سادت عصره، ومذ تتبعنا حياة البغدادي وجدنا صلته بالتطور الذي حصل في مجالات العلم كالفقه والتفسير والمنطق والعربية على يد سلاطين القرن السادس الهجري، وبروز المدرسة النظامية البغدادية، واحتضانها تلامذة العلم، مما ولّد أثراً في تكوينه الذاتي والفكري، فبنى ثقافته واستمدها، وحدد مساره العلمي من خلال تتبعه ومتابعة المسار العام الذي نشأ وبان في عصره ونحن نعلم أن الأديب أو العالم ابن بيئته يتغذى منها ويغذيها، فصاحبنا البغدادي أنموذجاً لهذا الازدهار الثقافي التعليمي الذي ترعرع في مدينة العلم بغداد.

نص البحث:

أبو البركات البغدادي

(الأنباري)

أثر عصره عليه وآراؤه النحوية

مقدمـــــة

حمداً لك اللهم، وصلاةً وسلاماً على سيد المرسلين محمد عبدك ورسولك الذي آتيته الحكمة وفصل الخطاب وعصمته من الخطأ وألهمته الصواب، ومننت عليه بفضيلة البيان، وجعلته قدوة للأنام، وعلى آله الطيبين الطاهرين ومن والاهم إلى يوم الدين وبعد:

لا يخفى على كل باحث في مجال علم النحو ما لأبي البركات البغدادي أو الأنباري من أثر جليّ في مساره، لما تميز به من ثقافة وسعة إدراك، ووضوح منهج، وحرص على إثبات مواقف مشاهير النحاة من المسائل النحوية، فكانت مؤلفاته النحوية كالمصب العظيم الذي تلتقي فيه شتى الروافد لما تشمل عليه من آراء وأفكار تمثل مختلف الإتجاهات والمدارس النحوية التي سادت عصره، ومذ تتبعنا حياة البغدادي وجدنا صلته بالتطور الذي حصل في مجالات العلم كالفقه والتفسير والمنطق والعربية على يد سلاطين القرن السادس الهجري، وبروز المدرسة النظامية البغدادية، واحتضانها تلامذة العلم، مما ولّد أثراً في تكوينه الذاتي والفكري، فبنى ثقافته واستمدها، وحدد مساره العلمي من خلال تتبعه ومتابعة المسار العام الذي نشأ وبان في عصره ونحن نعلم أن الأديب أو العالم ابن بيئته يتغذى منها ويغذيها، فصاحبنا البغدادي أنموذجاً لهذا الازدهار الثقافي التعليمي الذي ترعرع في مدينة العلم بغداد. وقد نسبته الى بغداد خلافــــاً لما اعتـــــاد عليــــــه الباحثـــــون

لسببين رئيسين هما:

الأول: إن بغداد كانت وما زالت قاعدة رصينة للعلم والعلماء، تهفو لها أفئدة العلماء والمسلمين فالانتساب الى هذه المدينة العريقة يعـّد مفخرة لهم.

الثاني: إن أكثر العلماء نسبوه الى بغداد كالقفطي وابن قاضي شهبة واليافعي والسيوطي والقلة القليلة نسبوه الى الأنبار، فنسبته الى بغــداد ـ على الأرجح ـ أقرب للحقيقة والله أعلم.

وفي هذا البحث حاولت تقديم صورة حقيقية واضحة عن عصره وازدهــــاره العلمي وتجربته ومذهبه النحوي ولا أعد هذا العمل تاما لكني حاولت إظهار الحقيقة فإن وفقت كان ما أردت وإن قصرت فلي عذر من الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين: (من إجتهد فأصاب فله أجران ومن إجتهد فاخطأ فله أجر واحد) اللهم تقبل عملنا ولا تحرمنا أجره وما توفيقنا إلا بك.

أ. مجيد البديري

المبحث الأول

عصر البغدادي وتطوره الثقافي والعلمي

أبو البركات البغدادي(الأنباري) نتاج عصره، تأثر وأثر فيه، غذى وتغذى ونهل مما أحاط به فلابد من التعرض إلى معرفة سمات هذا العصرـ بصورة مختصرة ـ وما تميز به لنكون على بينة من هذا العصر من النواحي السياسية والاجتماعية والفكرية، لأنها ستساعد على تبيّن الوقائع والأحداث وأثرها في حياة وميول ومسار البغدادي الفكري والثقافي، ثم اتجاهه النحوي.

فالحياة السياسية التي عاشها صاحبنا عند دخول السلاجقة بغداد في القرن السادس الهجري لم تكن هادئة بل اتسمت بالاضطراب والنزاعات المذهبية والتمزق الداخلي، والخليفة لا يتمتع بالقوة والسلطان كما كان عليه سابقاً،بل كان مستضعفاً مضطهداً لا يملك من أمره شيئاً فإمبراطوريته في وضعها الخارجي ممزقة ما بين الأمويين في أسبانيا، والفاطميين في مصر وشمال أفريقيا، وبعض رؤساء العرب في وادي النهرين وشمال سوريا، أمّا داخلياً، فكان النزاع الطائفي محتدماً مما دفع ببعضهم إلى تمهيد الطريق للسلاجقة مقتاً لغيرهم مما سهل للسلاجقة دورهم في الحياة العامة للبلاد. فأبدى السلاجقة في بادئ الأمر اهتمامهم واحترامهم للخليفة العباسي، إلا أنهم تنكروا للعهود والمواثيق التي قطعوها بعد أن مكّنوا قبضتهم على البلاد ورسخوا جذورهم، فأذاقوا خلفاء بني العباس أصناف الذّل والعذاب.

أما سياسة السلاجقة الخارجية فكانت مبنية على العنف واستخدام القوة، وإخضاع وتطويع من كان يدين للخليفة، وبذلك استطاع السلاجقة أن يبسطوا سلطانهم ويوحدوا الإمبراطورية العباسية بعد أن أصابها الضعف، فلمّوا شعثها وجمعوا ما تنافر منها، وقد حظي السلاجقة في أول الأمر بتأييد بعض المسلمين على أساس احترام مبادئ الدين الإسلامي[1]

إلا أن التزاوج سرعان ما انفرط عقده وانقلب إلى نقمة وتمرد نتيجة لطغيان السلاجقة، مما حدا بـ " نظام الملك "(*)[2] ـ أحد سلاطين السلاجقةـ أن ينتهج إسلوباً جديداً يحقق لدولة السلاجقة الاستمرار والبقاء وذلك بفتح المدارس التي تخّرج علماء ومثقفين من شأنهم أن يحملوا بحماسة واعتداد قضية الدولة السلجوقية ويدافعوا عنها ويحموها من كل خطر تتعرض له.

أما الحياة الاجتماعية، فقد كان سكان العراق خليطاً من:

1 العرب الذي بدأ نجمهم يخبو، ومكانتهم تضعف نتيجة قيام الدولة العباسية التي جاءت رداً على العصبية التي بلغت ذروتها في عهد الأمويين، فكان كلما أهمل العنصر العربي ازداد غير العربي نفوذاً وتسلطاً، إلا أن هذا لا يعني أن العربي كان خانعاً ذليلاً فقد بقي متشبثاً بنزعته القومية، رافضاً حيناً ومتمرداً حيناً آخر على حالات التعسف والاستبداد.

2ـ الديالمة الذين سكنوا جنوب شرق بحر قزوين

3ـ الأتراك وهم من العناصر المتنفذة الذين لعبوا دوراً كبيراً وخطيراً في الحياة السياسية وتوجيه الأحداث وفقاً لأهوائهم ومصالحهم وكانوا يتميزون بالفوضى وعدم وضوح الخط السياسي، فمواقفهم مبنية على مصالحهم.

4ـ أقليات آرامية وكردية ضعيفة الشأن لا أثر لها في الحياة العامة للمجتمع[3].

5ـ الفرس الذين سكنوا العراق، كونوا مركز ثقل سياسي لما تميزوا به من سعة في السياسة والثقافة مما جعل (نظام الملك) يفرض الحضارة الإيرانية العالية على السلاجقة[4].

أما من الناحية الدينية، فقد كان سكان العصر الذي عاش فيه البغدادي وأقصد به عصر الدولة السلجوقية منقسماً على طوائف عديدة منهم:

أولاً: المسلمون وكانوا الأكثرية في المجتمع، ومنهم الخليفة، ولهم المراكز الحساسة في الدولة، وكانوا منقسمين على عدة فرق ومذاهب ولكـــل مذهـــب أنصـــاره

لذلــــك نجد أن جميع الحركات الروحية في مملكة الإسلام كانت تتلاطم أمواجها في بغداد. فالمذهب الجعفري والحنفي والشافعي والحنبلي هو بنية المجتمع البغدادي الديني وكثيراً ما كان يحصل بين هذه المذاهب احتكاكات واختلافات وفتن ينتج عنها ارتباك في الحياة العامة واختلال في أمن البلاد. وأن معظم الخلفاء وجلّ العامة من الناس كانوا يتمتعون بنوع من الحس الديني العميق مما جعل الاهتمام ببناء المساجد وعقد الندوات الدينية واهتمام العلماء والشيوخ بالوعظ، هو الجو الديني السائد في الحياة البغدادية.

ومن الظواهر المهمة في هذه الفترة انتشار التصوف، إما نتيجة لردّ الفعل للتناقضات التي كانت تحكم عصر السلاجقة والتي تمثلت في الغنى الفاحش عند الخاصة، والفقر القاتل عند العامة أو لحالة اليأس التي أصابت عامة الناس بعدم وجود أمل للخلاص واللجوء إلى العزلة تعبداً ورهبانية، أو لعل السلاجقة هم الذين شجعوا هذه النزعة نكاية بالمذهب الجعفري فشيدوا وخصصوا الأماكن ليقيم فيها المتصوفون وليزاولوا عباداتهم، هذه الحالة المتناقضة خلقت لوناً من التفاعل المثمر بينها وبين الحركة الثقافية فكلاهما ترفد الأخرى وتصب فيها.

ثانياً: النصارى واليهود والمجوس، وهم الأقلية، وكانوا يعيشون تحت حماية الدولة مقابل الطاعة والولاء والجزية لذلك سموا بأهل الذمة[5]

أما الأخلاق: فكانت متردية وانتهازية ومصلحية بسبب التفاوت والتناقض في الحياة العامة، أضف إلى أن قوة سلاطين السلاجقة وضعف الخلافة دفعهم إلى تسخير الدين لمصالحهم وأغراضهم وتوطيد حكمهم لكن هذا لا يعني أن العصر السلجوقي قد خلا من القيم الفاضلة والخصال الطيبة، وحسبنا أن نذكر الشيخ إسحاق الشيرازي والبغدادي، لكن الصفة العامة السائدة التي كانت تتحكم بالحياة هي التردي، وهبوط المستويات العامة بجوانبها المختلفة، حيث انكفأ الناس ولزموا بيوتهم وابتعدوا عــن مواجهة هذا الانحلال والتردي، والراجح أن هذا ناتج عــــــن

ضعف الإيمان لأن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره...) فإذا انكفأ العلماء والمثقفون واعتزلوا الحياة وتركوا ضعاف النفوس يسيّرون البلاد حسب مصالحهم وأهوائهم وانحرافاتهم، فمن الذي يتحمل مسؤولية النهضة والتغيير ورفع هذا المستوى المتدني ؟ لذا نجد رجلاً فذاً واجه المشكلة بصلابة وإرادة وعزم ورباطة جأش واتساع أفق وفكر، هو (نظام الملك) الذي وضع يده على الداء وشخص بأن الجهل هو جذر المشكلة، فلابد من محاربته بالتعليم والوعظ والإرشاد وقد نجحت حملته إلى حد ما وبذر بذرته الصالحة وعمقها في النفوس، " فكان يرشح كل أحد لمنصب يصلح له بمقدار ما يرى فيه من الرشد والفضل[6]، بغض النظر عمّا كان يبغيه ويقصده من وراء هذه الحملة، لكن تبقى علة العلل (الفقر) هي الأصل في منبع كل تدن في المستوى الأخلاقي وتبقى الأخلاق مرهونة بها.

أما الناحية الفكرية، فمن الصعب تحديد مساراتها نتيجة الاضطرابات السياسية والدينية والاقتصادية التي رافقت العصر السلجوقي، وعلى العموم فإن تعدد الإمارات كان في صالح الحركة الفكرية " لأنه فتح مجال التنافس بين العلماء والأدباء وعمل على جعل سوق الأدب رائجة ونتج عن ذلك حصيلة فكرية جيدة [7]،فالحركة التعليمية قد ازدهرت ونشطت من خلال مؤلفات هذا العصر، على الرغم من أنها وضعت من أجل المدرسة النظامية فكانت" اختصاراً للكتب السابقة أو جمعاً أو تصنيفاً أو شرحاً أو تفسيراً[8] وعموماً أن الجهد الذي بذله (نظام الملك) دفع بعجلة الحركة الفكرية إلى الأمام فكان صاحب فضل في كل جهد ثقافي ظهر في هذا العصر، أضف أن البيئة التي بذر فيها بذور العلم كانت صالحة ومهيأة، فلقد كانت بغداد أو قل كان العراق ولا يزال مهداً للحضارات والمآثر الفكرية الشامخة. وأرضه خصبة لاحتضان بذور العلم والمعرفة، فكثــر المفكـــرون والعلمــــاء الذين ساهموا في بناء الصرح الشامخ للعلم من خلال المدرسة النظامية الذائعة الصيت لوجود كبار العلماء فيها أمثال، التبريزي والشيرازي وابن الشجري والبغدادي أضف إلى ذلك مساهمة دور العلم (المكتبات) بما احتوتها من كتب ومخطوطات نفيسة في نشر الثقافة العربية الإسلامية[9].

المبحث الثاني: حياة أ بي البركات البغدادي وآثــاره

هو عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله بن أبي سعيد، المكنى بأبي البركات، الملقب بالكمال أو كمال الدين[10] وينسب إلى الأنبار أو إلى بغداد فيقال كمال الدين أبو البركات الأنباري أو البغدادي[11]. ولد سنة 513هـ / 1119 م، وقيل: إن ولادته كانت في شهر ربيع الأخر من تلك السنة[12]. واختلفوا في مكان ولادته فمنهم من قال أنه ولد في الأنبار التي ينسب إليها، ومنهم من قال أنه ولد في بغداد، فالقفطي ذكر أن أبا البركات الأنباري " سكن بغداد من صباه إلى أن توفي"[13]، وابن قاضي شهبة أورد أنه نزيل بغداد وأنه قدم بغداد في صباه[14].

أما اليافعي فيؤكد أنه "ولد في بغداد" [15]والسيوطي يذكر أنه "سمع ببغداد عن عبد الوهاب ألأنماطي"[16] وهذا الاختلاف شيء طبيعي في الحياة البشرية وخاصة تلك الفترة لضعف الاهتمام بولادة الوليد، ولانشغالهم في معترك الحياة العامة ولأن وفاة العالم أشهر من ولادته فهو عند الولادة مجهول مغمور لكنه عند وفاته معروف مشهور.

شخصيته وأخلاقه:

تمتع أبو البركات البغدادي بشخصية محببة إلى مجالسيه فريدة جمعت تحت أكنافها الخصال الحميدة كلها من رقة ولطف وحزم وجد وصلابة وثبات ومعرفة وقدرة على الردّ السريع وبراعة في الحوار وسيطرة على نوازع النفس وخوالجها، متأثراً بأستاذه ابن الشجري الذي يقول فيه: " إنه كان وقوراً في مجلسه ذا سمت حسن، لا يكاد يتكلم في مجلسه بكلمة إلا وتتضمن أدب النفس أو أدب درس[17].

ولعل هذه الصفات التي رسمها لأستاذه ابن الشجري تمثله أصدق تمثيل، وما ذكره المؤرخون يغنينا عن عدّ صفاته الحميدة وأخلاقه الرشيدة.

فالقفطي ذكر إنه " كان فاضلاً عالماً زاهداً "[18]، وابن كثير يصفه " بالفقيه العابد الزاهد "[19]. وابن قاضي يقول فيه " كان زاهداً عابداً مخلصاً تاركاً الدنيا "[20]. فسيرة البغدادي جملة من الورع والمجاهدة والمجالدة وعلى الرغم من قدره وعلو مكانته عند الخلفاء، قنع صاحبنا وزهد في دنياه، فكان أقرب إلى مسالك الصوفية، أو قل إنه حبب لنفسه الطريقة الصوفية إلا أنه لم يعتنقها مذهباً جاء في نزهة الألباء في حديثه عن أستاذه أبي منصور الجواليقي قوله: وحضرت حلقته يوماً وهو يقرأ عليه كتاب الجمهرة لابن دريد.وقد حكى عن بعض النحويين أنه قال:" أصل (ليس) (لا أيس) فقلت: هذا الكلام كأنه من كلام الصوفية، فكأن الشيخ أنكر عليّ ذلك "[21]

هذه الواقعة تعطينا الدليل على أن صاحبنا لم تكن نفسه تستهوي الصوفية مذهباً بل استهوتها مسلكاً، فنراه يجالس الصوفية ويشاركهم ويسلك مسلكهم في مواجهة أمور الحياة. إضافة إلى ذلك كان البغدادي يتسم بالجدّ والسيطرة على خوالج نفسه، ويظهر هذا الحدّ من خلال عبارة قالها تعليقاً على مداعبة جرت بين الميداني والزمخشري " هذه فكاهة لا تليق بالمشايخ "[22] وكأنه بتصرفه هذا قد أخذ بنصيحة أستاذه ابن الشجري حين قال:

لا تمزحــــنّ فـإنْ مزحتَ فـلا يـكنْ مزحـاً تضـاف بـــه إلـى سـوء الأدب

واحذرْ ممازحـةً تعـــــود عـــــداوةً إنّ المزاح على مُقدِّمـــــة الغضــــب

مذهبه الفقهي:

من خلال مطالعتي للعصر السلجوقي، وجدت أن (نظام الملك) كان وراء الإزهار الثقافي والعلمي، فهو الذي أنشأ المدرسة النظامية ووضع أسسها وطريقة قبول الطلاب فيها، ولما كان(نظام الملك) شافعي المذهب فلابد لكل طالب دخل النظامية أن يسير على منهج الشافعية ويخلص له. فأبو البركات البغدادي دخل النظامية طالباً وتخرج منها، ليعود إليها مدرساً، فلابد له من السير في ركابها والتفقه على مذهب الشافعية، فألف تصانيفه في المذهب الشافعي " هداية الذاهب في معرفة المذاهب"[23] " بداية الهداية “[24]. والراجح أن البغدادي لم يعتنق المذهب الشافعي إلا طمعاً في المكسب أو رغبة في ملازمة النظامية بوصفها المنهل الوحيد للعلم آنذاك ولإحتوائها على جلّة العلماء الأفاضل، ولأنه في بداية حياته العملية كان لا بد له من ركوب المركب، فتظاهر بالشافعية وأخفى ما في نفسه من معتقد، وإلا كيف نفسر أن أبا البركات البغدادي قد تأثر تأثراً كبيراً بأستاذه ابن الشجري علمياً وأخلاقياً وسلوكياً وسار على خطاه حتى أنه قد أثر في منهجه الفقهي فحول صاحبنا وجهه عن العلوم الدينية إلى العلوم اللغوية والنحوية التي اشتهر بها في حياته وبعد مماته.

ثقافتــــه:

عقد الخوانساري موازنة قصيرة بين أبي البركات البغدادي أو الأنباري وأبي بكر الأنباري، قال: " والفرق بينه وبين ابن الأنباري الأول اللغوي المشهور... أنه كان منحصر البراعة في فنون اللغة والعربية بخلاف هذا فإنه الإمام البارع والسيد المبرز في فنون شتى"[25].

يتجلى لنا أن ثقافة صاحبنا نشأت دينية وانتهت نحوية إلا أن هذا لم يمنعه من ممارسة الفقه والبحث عن صور الخلاف بين المذاهب. وإذا ما علمنا بأن علوم الفقه متداخلة مع العلوم العربية، والعكس صحيح، فإن هذا التداخل تأثر به أبو البركات البغدادي، لذا نجده في كتابه (الأنصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين) مترسماً خطى علماء الفقه في أساليب العرض والمعالجة، فثقافته الدينية أثرت فيه تأثيراً كبيراً لأنه نشأ وترعرع عليها، وتلقفها في صباه، فسعة مداركه وفطنته من جهة، والظروف التي أحاطت به وملازمته لمشايخ العربية من جهة أخرى، هي التي دفعت به إلى الإحاطة والبراعة في النحو، فأعطى فيه أكثر مما أعطى في سواه حتى قيل فيه " وكان قد تفرد بعلم العربية وشدت إليه الرحال"[26]

آثــــــاره:

عندما نتحدث عن آثار البغدادي، لابد من الوقوف لحظات مع أخلص أصدقائه (الكتاب)، فقد كان مصاحباً له في عزلته، وأنيسه في وحدته، وعزاءه في حزنه. لقد قضى معه أجمل فترات عمره طالباً وأستاذاً، دارساً ومؤلفا، لـم يتركه إلا بعد لقاء وجه ربه. وفي هذه الفترة جادت قريحته بعدد كبير من المؤلفات، نالت استحسان أهل العلم جميعاً، فأثنوا على مجهوداته ومصنفاته لما اشتملت عليه من مميزات.

فهذا ابن الأثير يقول: " وله تصنيفات حسنة في النحو"[27]، وشهد له ابن خلكان حيث قال: "وكتبه كلها نافعة "[28]، وعبر القرطبي عنه " واشتهرت تصانيفه وظهرت مؤلفاته "[29].

أما عدد هذه المصنفات فقد ذكر الذهبي أنها " مئة وثلاثون مصنفاً في الفقه والأصول والزهد وأكثرها في فنون العربية “[30]. وأيده في ذلك ابن قاضي[31]، وابن العماد[32].

ومن مميزات البغدادي في مصنفاته، أنه إلتزم المنهجية والتخصص، فكل كتاب اتصف بموضوع خاص، وقلما يطفر من مسألة إلى أخرى، كما كان يفعله القدامى كالمبرد في كامله، والجاحظ في بيانه وتمتاز هذه المصنفات بالوضوح وسلامة العبارة وجمال العرض والتصنيف، قال عنه سعيد الأفغاني: " الأنباري والحق يقال أدّب النحو وأضفى على أسلوب عرضه المائية وقال: إني إذا أردت التعبير عن أسلوب الأنباري بكلمة جامعة لم أجد أصدق من قولي: أسلوب رياضي جميل"[33] سواء أكان في نثره أم شعره. سأعرض أنموذجاً واحداً من نثره، وآخر من شعره - على قلته - للتدليل على أسلوب أبي البركات البغدادي ودقته وحسن تنظيمه وتمكنه في استعمال المنطق، والاستعانة بالحجج العقلية لإثبات رأي وتفنيـــد آخر، قال أبو البركات البغدادي في معرض ردّه على الكوفيين في قولهم أن (السين) مقتطعة من سوف: " وأمّا قولهم إنّ السين تدل على الاستقبال كما إنّ سوف تدل على الاستقبال، قلنا هذا باطل، لأنه لو كان الأمر كما زعمتم لكان ينبغي أن يستويا في الدلالة على الاستقبال على حدّ واحد. ولا شك أن سوف أشد تراخيا في الإستقبال من السين. فلمّا اختلف في الدلالة على أن كل واحد منهما حرف مستقل بنفسه غير مأخوذ من صاحبه والله أعلم "[34]

أما شعره، ففي إحدى مقطوعاته يقول[35]: هذه المقطوعة من البحر الكامل (متفاعلن) وهذا البحر يتميز بالهدوء:

العلم أوفى حليــة ولبــــــــــاسوالعقــــل أوفـــى جُـــــنّة الأكياس

كـن طالباً للعلـــم تحيَ فإنـــمـــا جهــلُ الفتى كالمـوت في الأرمـاس

وصُـن العلوم عن المطامع كلِّها لـــترى بــــأنَّ العــزَّ عــــــزُّ البــــاس

والعلم ثوب والعفاف طــــرازه ومــطامــع الإنسان كـــالأدنـــــاس

والعلــم نور يهتـدى بضيائــــــه وبـــه يســود الناس فــوق النــــاس

مؤلفات أبي البركات البغدادي:

أما مؤلفاته فهي على ثلاثة أنواع:

1- آثاره المفقودة: وعددها ثمانية وستون، ذكر السيوطي في بغية الوعاة خمسين مؤلفاً منها، أما ابن قاضي شهبة في الطبقات فقد ذكر ستة منها، وحاجي خليفة في كشف الظنون ذكر ستة منها[36]. وصاحب هدية العارفين ذكر ثلاثة منها، وثلاثة أخرى، اثنان منها في البيان وواحد في نزهة الألباء.

آثاره المخطوطة: وعددها ثمانية كتب، ذكرها السيوطي في بغية الوعاة 0

3- آثاره المطبوعة: وتشمل على:

أ - الآثار اللغوية: وعـد دها خمسة كتب وهي:

1- البلغة في الفرق بين المذكر والمؤنث. وهو مليء بالشواهد الشعرية والآيات القرآنية وبعض الأحاديث النبوية.

2- حلية العقود في المقصور والممدود 0

4- الموجز في علم القوافي.

5- زينة الفضلاء في الفرق بين الضاد والظاء 0

ب- كتب التراجم:

وتعنى بأخبار الأدباء والنحاة وآثارهم وتنحصر في كتاب واحد (نزهة الألباء) وله صلة بالنحو وتاريخه0طبع عـدة طبعات، وهدفه خدمة طلبة العلم والنحو، وفعلاً أغنى طلابه عن كثير من المراجع والموسوعات الأدبية.

جـ - الآثار النحوية:

1- أسرار العربية، حققه الأستاذ محمد بهجت البيطار، طبع عـدة طبعات، ويدور حول العلة النحوية، فهو لا يترك حكماً من الأحكام دون تعليل، بل يجعل لكل حكم علة ولكل ظاهرة سبباً ويتميز هذا الكتاب من أنه وضع لكل طريقة سؤال وجواب، وأنه يذكر الحكم مقروناً بأسبابه والظاهرة مشفوعة بعلتها، وأنه يتسم بكثرة الفوائد. والنماذج الآتية توضح ما ذهبنا اليه:

قال أبو البركات البغدادي حول باب (علم ما الكلم):

" إن قال قائل: ما الكلم ؟ قيل: الكلم اسم جنس، واحدته، كلمة، كقولك: نبقة ونبق، ولبنة ولبن، وثفنة وثفن، وما أشبه ذلك، فإن قيل: ما الكلام ؟ قيل: ما كان من الحروف دالا بتأليفه على معنى يحسن السكوت عليه، فإن قيل: ما الفرق بين الكلم والكلام ؟ قيل: الفرق بينهما، أن الكلم ينطلق على المفيد وعلى غير المفيد، وأما الكلام فلا ينطلق إلا على المفيد خاصة، فإن قيل: فلم قلتم: إن أقسام الكلام ثلاثة لا رابع لها ؟ قيل: لأنا وجدنا هذه الأقسام الثلاثة يعبر بها عن جميع ما يخطر بالبال ويتوهم في الخيال ولو كان ههنا قسم رابع لبقي في النفس شيء لا يمكن التعبير عنه، ألا ترى أنه لو سقـــط آخر هذه الأقسام الثلاثة لبقي في النفس شيء لا يمكن التعبير عنه بإزاء ما سقـــــط فلمـــــا عبـــــر بهــــذه الأقســــام عن جميــــع الأشياء دل على أنه ليس إلا هذه الأقسام الثلاثة... “[37].

قال أبو البركات البغدادي في كتابه (أسرار العربية) حول خبر المبتدأ: " إن قال قائل: على كم ضربا ينقسم خبر المبتدأ ؟ قيل: على ضربين، مفرد وجملة، فإن قيل: على كم ضربا ينقسم المفرد ؟ قيل: على ضربين، أحدهما: أن يكون اسما غير صفة، والآخر: أن يكون صفة، أما الاسم غير الصفة فنحو، زيد أخوك وعمرو غلامك، فزيد مبتدأ وأخوك خبره، وكذلك عمرو مبتدأ وغلامك خبره وليس في شيء من هذا النحو ضمير يرجع إلى المبتدأ عند البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن فيه ضميرا يرجع إلى المبتدأ، وبه قال علي بن عيسى الرماني من البصريين. قال أبو البركات: والأول هو الصحيح..."[38].

2- الأغراب في جدل الأعراب، حققه الأستاذ سعيد الأفغاني وطبع عـدة طبعات، ويدور حول الجدل الإعرابي، ويتميز الكتاب بالنزعة الفقهية والجدل العقلي، وأنه يعالج الموضوعات النحوية بقدر ما يعالج الأشكال التي توضع فيها هذه الموضوعات في الجدل الإعرابي.

3- الإنصاف في مسائل الخلاف، بين النحويين البصريين والكوفيين، طبع بعنايــــة

الأستاذ محيي الدين عبد الحميد. ويدور حول العلاقة بين النحو والفقه، ويعدّ الأنصاف أكثر شمولية وإحاطة بمسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين من المؤلفات الأخر، ويمتاز بخصائص عديدة منها، أنه جعل علم النحو علماً عقلياً كالفلسفة والمنطق، ذا أسلوب فريد من نوعه، سلساً في عرضه المسائل النحوية. والكتاب يدلل على سعة ثقافة مؤلفه وخاصة عند الإحتجاج والمجادلة العقلية مما يؤكد عند متابعة مسائله تعلقه بعلم الكلام والمنطق.

البيان في غريب إعراب القرآن، تحقيق الدكتور طه عبد الحميد، فيه إيضاح مجمل آراء صاحبنا النظرية في مختلف علوم اللغة وأطراف من علوم القرآن، أراد منه إشباع نزعته الدينية والتعبدية تقرباً لله جلّ ثناؤه، وإفادة طلبته.

لمع الأدلة في وجوه النحو، تحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني، طبع عـدة طبعات، ويدور حول رغبته في مواصلة الإبتكار والإبداع، وتلبية مطالب أهل الفضل بالكتابة في أصول النحو.

وفاتـــــه:

بعد عمر زاخر بالنتاج العلمي والفكري، لقي أبو البركات البغدادي وجه ربه راضياً " يا أيتها النفس ارجعي إلى ربك راضية مرضية "[39] لما قدمه من خدمة جليلة للعلم وطلابه، فكانت وفاته ليلة الجمعة تاسع شعبان من سنة 577هـ /1181م ببغداد [40]عن أربع وستين سنة ودفن يوم الجمعة بباب أبرز بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (رحمه الله وتغمده بفسيح جناته)[41]

المبحث الثـالث: منهج البغدادي وآ راؤه النحوية

من الثوابت التي لا ينازعها الشك أن كل نحوي لا بد أن يتبنى منهجا خاصا به يضفي عليه تكوينه وشخصيته وهذا ما فعله صاحبنا عند تأليفه, فمؤلفاته تعبر تعبيرا صادقا عن ملامحه الشخصية ومداركه العلمية والثقافية وطريقة أسلوبه في العرض. والنحوي لا يكون نحوياً بحق حتى تكون له آراؤه الخاصة ومواقفه المتميزة، فأبو البركات البغدادي يعدّ من القلائل الذين أبدعوا وجددوا وساهموا في بناء البنية الأساسية للأنموذج العلمي , فأصبح بحق من رؤساء المذاهب ورواد الفكر والمناهج المستقلة على مدى التاريخ النحوي , ولو أخذنا طريقته وأسلوبه في التأليف لوجدناه التزم المنهج الفلسفي والمنطقي الفقهي في الترتيب والتقسيم , فأراد بذلك أن يخضع علوم العربية لعلوم الفقه في الترتيب والتنسيق. وإذا أردنا معرفة مذهبه النحوي لابد لنا من الوقوف عند شخصيته لمعرفة خصائصها وسماته. وهذا يتأتى من إلقاء الضوء على بعض القضايا النحوية التي تعبر أساسا عن هذا الاتجاه باعتبار أن للشخصية دورا مؤثرا وكبيرا عند التأليف.

موقفه من النحاة:

لأبي البركات البغدادي موقف خاص به من النحاة، يتصف بالعدل والإنصاف عند عرضه آراءهم. سواء أكانوا بصريين أم كوفيين, مشهورين أم مغمورين, فموقفه يتميز بعدم التفريق بين العلماء لاسيما عند عرضه للمسائل النحوية, فمرة نراه يعرض الآراء دون التعليق عليها كقوله حول زيادة الواو العاطفة " اختلفوا في جواز زيادة الواو العاطفة لغير معنى فجوزه الكوفيون احتجاجا بقوله تعالى: " وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين"[42]، وقولـــه سبحانــــه: " فلما أسلما وتله للجبيــن ونادينـــاه " [43]، وجعلوا منه قوله تعالى: " حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها " [44]، وقول الشاعر المتقدم أول الكتاب : وقلبتم ظهر المجن لنا... بعد قوله:

حتى إذا قملت بطونكم ورأيتم أبناءكم شبوا

فتقديره قلبتم والواو زائدة. وذهب البصريون إلى أنها ليست زائدة في شيء من ذلك ولا تجوز، وقول الآخر:

جمعت وفحشا غيبة ونميمــــــــة ثلاث خلال لست عنها مرعوي

وقول ذي الرمة:

كأنـا على أولاد أحقب لاحهــــا ورمي السفا أنفاسها بسهـــــام

جنوب ذوت عنها التناهي فأنزلت بها يوم ذبـــــــــاب السبيب صيام

يريد، لاحها جنوب ورمي السفا، وقوله أيضا زيادتها لأن الحروف وضعت للمعاني فذكرها بدون معناها يقتضي مخالفة الوضع ويورث اللبس، وأيضا فإن الحروف وضعت للاختصار نائبة عن الجمل كالهمزة فإنها نائبة عن أستفهم وزيادتها ينقض هذا المعنى. وتلك المواضع، الواو فيها عاطفة على محذوف مقدر يتم به الكلام تقديره: لنبصره أو لنرشده ونحو ذلك، ثم عطف عليه (وليكون من الموقنين) وكذلك في الآية الأخرى تقديره: عرفنا صبره وانقياده وناديناه أن يا إبراهيم وكذلك قيل في قوله تعالى: (وفتحت أبوابها) تقديره: عرفوا صحة ما وعدوا به وفتحت أبوابها، والأقوى أن تكون الواو حالية كما تقدم وسيأتي ذلك وبيان فائدته إن شاء الله تعالى. وأما البيت فتقديره: عرف غدركم وقلبتم ظهر المجن، وحذف الجواب كثير. وفي التهذيب للبغوي من أئمة أصحابنا أنه إذا قال: إن دخلت الدار وأنت طالق، إن قال: أردت التعليق فأقمت الواو مقام الفاء قبل قوله وإن قال أردت التنجيز ينجز الطلاق يعني وتكون الواو زائدة. وزاد غيره انه إذا قال: لم أقصد شيئا يقضي بوقوع الطلاق في الحال ويلغى حرف الواو كما لو قال: ابتدأء وأنت طالق حكاه الرافعي عن إسماعيل البوشنجي مقررا له واعترض عليه النووي واختار أنه عند الاطلاق يكون تعليقا بدخول الـدار إن كـــان قائلهـــا لا يعرف العربية وإن عرفها فلا يكون تعليقا ولا غيره إلا لأنه عنده غير مفيد، وهذا الذي قاله النووي رحمه الله جار على القاعدة والله سبحانه أعلم "[45].

وقال أبو البركات حول (الكلام على واو ربّّ): " كما في قول امرئ القيس:

وليل كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي

أي: رب ليل كموج البحر، وقول رؤبة بن العجاج:

وقاتم الأعماق خاوي المخترق مشتبه الأعلام لماع الخفق

والقاتم: المظلم، والأعماق: جمع عمق وهو ما يستدل به على المواضع والطرق من جبل وبناء وغيرهما واشتباهها التباس بعضها ببعض، والخفق: ما تخفق فيه من التراب عند هبوب الرياح، ومثله أيضا قول الأعرابية:

وذي حاجة قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل

وهو كثير في النظم والنثر. والذي ذهب إليه جمهور البصريين ومن بعدهم أن الجر في هذه المواضع ب(ربّ) مضمرة بعد الواو لا بالواو نفسها بل هي عاطفة ولذلك لم يعدها سيبويه في حروف الجر، وذهب المبرد والكوفيون إلى أن الواو هي الجارة لكونها عوضا عن (ربّ) كما في واو القسم ولأنها واردة في أول الكلام وليس قبله شيء يعطف الواو عليه، وظاهر كلام ابن الحاجب اختيار هذا القول لأنه عدّها من جملة الحروف الجارة. واحتج البصريون بوجوه:

أحدها: أنها لو كانت هي الجارة لدخلت واو العطف عليها كما في واو القسم وقد تقدم مثله.

وثانيها: أن ذلك لو كان بطريق العوض عن(ربّ) لما جاز أن تضمر(ربّ) معها كما أنه لما كانت واو القسم بدلا عن بائه لم يجز الجمع بينهما وهنا يجوز ذلك بالاتفاق فيقال: وربّ رجل عالم لقيته .

وثالثها: أن(ربّ) قد أضمرت بعد الفاء وبل، كقول امرئ القيس:

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فألــهيتها عــــن ذي تمـــائم محـــول

وقـول الآخر:

فإن أهلك فذي حنق لظاه علي يكاد يلتهب التهــاب

وقـول الآخر:

وإما تعرضن أميم عنــي وتنزعك الوشاة أولو النباط

وقول الآخـر:

بل بلد ملء الفجاج قتمـة لا يشترى كتانه وجهرمـــه

والجر في هذه المواضع بإضمار(ربّ) بالاتفاق فكذلك في الواو لأن كلها من حروف العطف وأما كون ذلك صدر الكلام فالعطف فيه على شيء مقدر في الضمير فكأنه قال في نفسه: ربّ شيء كان مني وربّ قاتم الأعماق ونحو ذلك وكذلك البواقي ولقائل أن يجيب عن الوجه الأول بأن امتناع دخول الواو العاطفة إنما كان لعدم ما تعطف عليه وأيضا فلما في اجتماع الواو من الاستثقال وإنما جاز في القسم الاستثقال لكثرة دورانه في الكلام وأما الجمع بين الواو وربّ فلمانع أن يمنع أن هذه الواو هي تلك تكون عند عدمها بل عند ظهور ربّ هي عاطفة ليس إلا وليست التي يعوض بها عن ربّ فيجوز حينئذ الجمع ولا يكون فيه دليل، وأما الفاء وبل فلا شك أن ذلك قليل نادر جدا بخلاف الواو فإن الجر بعدها كثير شائع في كلامهم وكل من القولين محتمل وإن كان الأظهر قول البصريين فإذا عرف ذلك فعلى قول البصريين ليست قسما مغايرا لما تقدم لأنها العاطفة عندهم وعلى القول الآخر المغايرة ظاهرة فيكون ذلك نوعا على ما تقدم ويجيء على البحث المتقدم أن الواو مشتركة لفظا بين مطلق الجمع والقسم وهذه التي بمعنى ربّ ثم هي بالنسبة إلى الأنواع الأربعة المتقدمة متواطئة والله تعالى أعلم"[46]

ومرة أخرى يعرضها مقرونة بالموافقة الضمنية أو اختيار أحدهما, قال أبو البركات حول تسمية الاسم اسما: " اختلف النحويون في ذلك، فذهب البصريون إلى أنه سمى(اسما) لوجهين: أحدهما، أنه سمي على مسماه وعلا على ما تحته من معناه فسمي اسما لذلك، والوجه الثاني، أن هذه الأقسام الثلاثة لها ثلاث مراتب فمنها ما يخبر به ويخبر عنه وهو الاسم نحو: زيد قائم، ومنها ما يخبر به ولا يخبر عنه وهو الفعل نحو: قام زيد، ومنها ما لا يخبر به ولا يخبر عنه وهو الحرف، نحو: هل وبل وما أشبه ذلك، فلما كان الاسم يخبر به ويخبر عنه، والفعل يخبر به ولا يخبر عنه، والحرف لا يخبــر بـــه ولا خبـــر عنــــه، فقد سما الاسم على الفعل والحرف، أي: ارتفع، والأصل فيه (سمو) إلا أنهم حذفوا الواو من آخره وعوضوا الهمزة في أوله فصار (اسما) ووزنه (إفع) لأنه قد حذف منه لامه التي هي الواو في سمو. وذهب الكوفيون إلى أنه سمي (اسما) لأنه سمة على المسمى يعرف بها والسمة العلامة والأصل فيه (وسم) إلا أنهم حذفوا الواو من أوله وعوضوا مكانها الهمزة فصار (اسما) ووزنه، (إعل) لأنه قد حذف منه لامه التي هي الواو في وسم

قال أبو البركات: والصحيح ما ذهب إليه البصريون وما ذهب إليه الكوفيون وإن كان صحيحا من جهة المعنى إلا أنه فاسد من جهة التصريف[47].

قال أبو البركات البغدادي في باب المفعول معه: " إن قال قائل: ما العامل النصب في المفعول معه ؟ قيل اختلف النحويون في ذلك، فذهب البصريون إلى أن العامل فيه هو الفعل وذهب الكوفيون إلى أن المفعول معه منصوب على.وذهب أبو اسحق الزجاج إلى أنه منصوب بعامل مقدر والصحيح هو الأول"[48].

وقال أبو البركات البغدادي حول (التمييز): " إن قال قائل: ما التمييز ؟ قيل: هو النكرة المفسرة للمبهم، فإن قيل: فما العامل فيه النصب؟ قيل: فعل وغير فعل فأما ما كان العامل فيه فعلا فنحو: تصبب زيد عرقا وتفقأ الكبش شحما ف (عرقا وشحما) كل واحد منهما منصوب بالفعل الذي قبله، فإن قيل: هل يجوز تقديم هذا النوع على العامل فيه ؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك، فذهب سيبويه إلى أنه لا يجوز تقديم هذا النوع على عامله وذلك لأن المنصوب ههنا هو الفاعل في المعنى... وذهب أبو عثمان المازني وأبو العباس المبرد ومن وافقهما إلى أنه يجوز تقديمه على العامل فيه واستدلوا على ذلك بقول الشاعر من الطويل:

أتهجر سلمى للفراق حبيبها وما كان نفسا بالفراق تطيب

ولأن هذا العامل فعل متصرف فجاز تقديم معموله عليه كما جاز تقديم الحال على العامل فيها، نحو، راكبا جاء زيد،لأنه فعل متصرف فكذلك ههنا، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه "[49].

وقال أبو البركات حول (الاستثناء): " إن قال قائل: ما الاستثناء ؟ قيل: إخراج بعض من كل بمعنى إلا، نحو: جاءني القوم إلا زيدا، فإن قيل: فما العامل في المستثنى النصب من الموجب؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك، فذهب البصريون، إلى أن العامل هو الفعل بتوسط إلا وذلك لأن هذا الفعل وإن كان لازما في الأصل إلا أنه قوي ب (إلا) فتعدى إلى المستثني كما تعدى الفعل بالحروف المعدية ونظيره نصبهم الاسم في باب المفعول معه، نحو: استوى الماء والخشبة، فإن الاسم منصوب بالفعل المتقدم بتقوية الواو، فكذلك ههنا. وذهب بعض النحويين إلى أن العامل هو(إلا) بمعنى: استثنى، وهو قول الزجاج من البصريين، وذهب الفراء من الكوفيين إلى أن (إلا) مركبة من (أن ولا) ثم خففت (أن) وأدغمت في (لا) فهي تنصب في الإيجاب اعتبارا ب (إن) وترفع في النفي اعتبارا بـ(لا) والصحيح قول البصريين"[50].

ومرة يتفرد برأيه المتميز المخالف لآراء الآخرين, وهذه نماذج حول تفرده ومخالفته لآراء النحاة, قال البغدادي حول العامل في خبر المبتدأ: " اختلف النحويون في ذلك , فذهب الكوفيون إلى أن عامله المبتدأ , وذهب البصريون إلى أن الابتداء وحده هو العامل في الخبر , وذهب قوم إلى أن الابتداء عمل في المبتدأ، والمبتدأ عمل في الخبر , وذهب سيبويه وجماعة معه إلى أن العامل في الخبر هو الابتداء والمبتدأ جميعا , لأن الابتداء لا ينفك عن المبتدأ , ولا يصح للخبر إلا بها فدلّ على أنهما العاملان فيه "[51].

قال أبو البركات البغدادي: " والتحقيق فيه عندي أن نقول: إن الابتداء أعمل الخبر بواسطة المبتدأ لأن المبتدأ مشارك له في العمل "[52]

وقال أبو البركات البغدادي في موضع آخر حول رافع المبتدأ ورافع الخبر:

" ذهب الكوفيون إلى أن المبتدأ يرفع الخبر والخبر يرفع المبتدأ فهما يترافعان وذهب البصريون إلى أن المبتدأ يرتفع بالابتداء، وأما الخبر فاختلفوا فيه فذهب قوم إلى أنه يرتفع بالابتداء وحده، وذهب آخرون إلى أنه يرتفع بالابتداء والمبتدأ معا، وذهب آخرون إلى أنه يرتفع بالمبتدأ والمبتدأ يرتفع بالابتداء. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إن المبتدأ يرتفع بالخبر والخبر يرتفع بالمبتدأ لأنا وجدنا المبتدأ لا بد له من خبر والخبر لا بد له من مبتدأ ولا ينفك أحدهما من صاحبه ولا يتم الكلام إلا بهما ألا ترى أنك إذا قلت زيد أخوك لا يكون أحدهما كلاما إلا بانضمام الآخر إليه... أما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إن العامل هو الابتداء وإن كان الابتداء هو التعري من العوامل اللفظية لأن العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثرة حسية كالإحراق للنار والإغراق للماء والقطع للسيف وإنما هي أمارات ودلالات وإذا كانت العوامل في محل الإجماع إنما هي أمارات ودلالات فالأمارة والدلالة تكون بعدم شىء كما تكون بوجود شىء ألا ترى أنه لو كان معك ثوبان وأردت أن تميز أحدهما في الآخر فصبغت أحدهما وتركت صبغ الآخر لكان ترك صبغ أحدهما في التمييز بمنزلة صبغ الآخر فكذلك هاهنا... أما من ذهب إلى أن الابتداء والمبتدأ جميعا يعملان في الخبر فقالوا: لأنا وجدنا الخبر لا يقع إلا بعد الابتداء والمبتدأ فوجب أن يكونا هما العاملين فيه... قال أبو البركات: والتحقيق فيه عندي أن يقال: إن الابتداء هو العامل في الخبر بواسطة المبتدأ لأنه لا ينفك عنه ورتبته أن لا يقع إلا بعده فالابتداء يعمل في الخبر عند وجود المبتدأ لا به كما أن النار تسخن الماء بواسطة القدر والحطب فالتسخين إنما حصل عند وجودهما لا بهما لأن التسخين إنما حصل بالنار وحدها فكذلك هاهنا"[53]

أما القول في تقديم خبر ليس عليها، قال أبو البركات البغدادي:" ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز تقديم خبر ليس عليها... وذهب البصريون إلى أنه يجوز تقديم خبر ليس عليها كما يجوز تقديم خبر كان عليها، أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه لا يجوز تقديم خبر ليس عليها وذلك لأن ليس فعل غير متصرف فلا يجرى مجرى الفعل المتصرف كما أجريت كان مجراه لأنها متصرفة ألا ترى أنك تقول: كان يكون فهو كائن وكن كما تقول: ضـــرب يضـــرب فهـــو

ضارب ومضروب واضرب ولا يكون ذلك في ليس وإذا كان كذلك فوجب أن لا يجرى مجرى ما كان فعلا متصرفا أما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على جواز تقديم خبرها عليها قوله تعالى: " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم "[54]، وجه الدليل من هذه الآية أنه قدم معمول خبر ليس على ليس فإن قوله (يوم يأتيهم) يتعلق بمصروف وقد قدمه على ليس ولو لم يجز تقديم خبر ليس على ليس وإلا لما جاز تقديم معمول خبرها عليها لأن المعمول لا يقع إلا حيث يقع العامل... قال أبو البركات البغدادي: والصحيح عندي ما ذهب إليه الكوفيون. وأما الجواب عن كلمات البصريين في قوله تعالى: " ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم “، فلا حجة لهم فيه لأنا لا نسلم أن (يوم) متعلق بمصروف ولا أنه منصوب وإنما هو مرفوع بالابتداء وإنما بنى على الفتح لإضافته إلى الفعل، كما قرأ نافع والأعرج قوله تعالى: " هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم " [55] فإن (يوم) في موضع رفع وبنى على الفتح لإضافته إلى الفعل فكذلك هاهنا "[56].

وقال أبوالبركات البغدادي حول عامل الجزم في جواب الشرط: " ذهب الكوفيون إلى أن جواب الشرط مجزوم على الجوار. واختلف البصريون، فذهب الأكثر ون إلى أن العامل فيهما حرف الشرط، وذهب آخرون إلى أن حرف الشرط وفعل الشرط يعملان فيه، وذهب آخرون إلى أن حرف الشرط يعمل في فعل الشرط وفعل الشرط يعمل في جواب الشرط، وذهب أبو عثمان المازني إلى أنه مبنى على الوقف. أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه مجزوم على الجوار لأن جواب الشرط مجاور لفعل الشرط لازم له لا يكاد ينفك عنه فلما كان منه بهذه المنزلة في الجوار حمل عليه في الجزم فكان مجزوما على الجوار والحمل على الجوار كثير. قال الله تعالى: " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " [57]، وجه الدليل، أنه قال) والمشركين) بالخفض على الجوار وإن كان معطوفا على الذين فهو مرفوع لأنه اسم يكن... أما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إن العامل هو حرف الشرط وذلك لأن حـــــرف الشرط يقتضي جواب الشرط كما يقتضي فعل الشرط وكما وجب ان يعمل في فعل الشرط فكذلك يجب أن يعمل في جواب الشرط. وأما من ذهب إلى أن حرف الشرط وفعل الشرط يعملان في جواب الشرط فقال: إنما قلنا: ذلك لأن حرف الشرط وفعل الشرط يقتضيان جواب الشرط فلا ينفك أحدهما عن صاحبه فلما اقتضياه معا وجب أن يعملا فيه معا كما قلنا في الابتداء والمبتدأ إنها يعملان في الخبر فكذلك هاهنا... قال أبو البركات البغدادي: والتحقيق فيه عندي أن يقال: إن، هو العامل في جواب الشرط بواسطة فعل الشرط لأن لا ينفك عنه فحرف الشرط يعمل في جواب الشرط عند وجود فعل الشرط لا به كما أن النار تسخن الماء بواسطة القدر والحطب فالتسخين إنما حصل عند وجودهما لا بهما لأن التسخين إنما حصل بالنار وحدها فكذلك هاهنا[58].

موقفه من السماع:

للبغدادي موقف متميز من السماع والقياس فهو على الرغم من اعتماده على القياس إلا أنه في عدد من المسائل النحوية أو قل في جلّ ما يعترضه من مسائل نحوية, يأخذ عن السماع بالنقل والاستعمال, فصاحبنا يكره القياس على النادر والشاذ, يقول: " إذ لو طردنا القياس في كل ما جاء شاذا مخالفا للأصول والقياس وجعلناه أصلا لكان ذلك يؤدي إلى أن تختلط الأصول بغيرها وأن يجعل ما ليس بأصل أصلا وذلك يفسر الصناعة بأسرها "[59] لذا نجده يكثر من قول: " وهي رواية شاذة "[60], ويقول في موضع (أفعل التعجب): "من الشاذ الذي لا يعرج عليه , فهو في الشذوذ"[61]، ويقول في موضع آخر من أن الكوفيين في أدلتهم في باب (أصول الاشتقاق, الفعل أو المصدر): "فسنذكر فاسدة "[62] أو عبارة " هذا باطل "[63] إلى غيره من العبارات التي تعطينا الدليل بأن صاحبنا لا يعتد بالقليـل ولا يبني عليه رأيه ولا يتخذ منها قاعدة , أو قل: إنه يعتد بالسماع الشائع ولا يجيز القياس على الشاذ والنادر.وهذه نماذج مما ذهب اليه:

قال أبو البركات: "إن قال قائل: هل نعم وبئس اسمان أو فعلان ؟ قيل: اختلف النحويون في ذلك، فذهب البصريون إلى أنهما فعلان ماضيان لا يتصرفان واستدلوا على ذلك... وذهب الكوفيون إلى أنهما اسمان واستدلوا على ذلك. قال أبو البركات: والصحيح ما ذهب إليه البصريون وأما ما استدل به الكوفيون ففاسد"[64].

وقال أبو البركات حول باب عسى: " إن قال قائل: ما عسى من الكلم ؟ قيل: فعل ماض من أفعال المقاربة لا يتصرف وقد حكى عن ابن السراج أنه حرف، وهو قول شاذ لا يعرج عليه، والصحيح أنه فعل... "[65].

و قال أبو البركات حول الاختلاف في أصل اشتقاق الإسم:" ذهب الكوفيون إلى أن الأسم مشتق من الوسم وهو العلامة وذهب البصريون إلى أنه مشتق من السمو وهو العلو، أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه مشتق من الوسم لأن الوسم في اللغة هو العلامة والإسم وسم على المسمى وعلامة له يعرف به... وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا: إنه مشتق من السمو لأن السمو في اللغة هو العلو، يقال: سما يسمو سموا إذا علا ومنه سميت السماء سماء لعلوها والإسم يعلو على المسمى ويدل على ما تحته من المعنى ولذلك قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: الإسم ما دل على مسمى تحته وهذا القول كاف في الإشتقاق لا في التحديد فلما سما الإسم على مسماه وعلا على ما تحته من معناه دل على أنه مشتق من السمو لا من الوسم... قال أبو البركات البغدادي: أما الجواب عن كلمات الكوفيين قولهم إنما قلنا إنه مشتق من الوسم لأن الوسم في اللغة العلامة والأسم وسم على المسمى وعلامة عليه يعرف به، قلنا: هذا وإن كان صحيحا من جهة المعنى إلا أنه فاسد من جهة اللفظ وهذه الصناعة لفظية فلا بد فيها من مراعاة اللفظ..."[66].

وخير الكلام عند البغدادي ما اطرد في الاستعمال والقياس أضعفه ما لم يرد في النقل (السماع) ولم يصح بالقياس.

مصــادره العلميـة :

حرص البغدادي على إثبات نسبه العلمي اعتزازا وتقديرا, فقال في نزهة الألباء في معرض حديثه عن أستاذه (ابن الشجري):" وعنه أخذت علم العربية"[67]، أي أن البغدادي استمد ثقافته النحوية من أصولها, لا سيما أن شيوخه هم أركان المدرسة البصرية النحوية، أمثـال: ابن طباطبا العلوي والجواليقي وابن الشجـري وغيرهم من علمـاء عصـره.

وهـذا يـدلل على أن أبا البركات الأنباري أو البغدادي أخذ علم النحو من منابعه البصرية, فتأثر بها وسار على نهجها, إلا أن فطنته وتمكنه قاده إلى التفرد في معالجة المسائل النحوية والاتساع في القياس (إن انكسار القياس في النحو لا يتحقق لان النحو كله قياس)[68].

أضــف إلى كثــرة تعلقــه بالمنطق فــي استنباط القواعــد وتعليل الأحكــام والموازنــــــة بيــن الآراء, هذه الخصائص والسمات التي تميز بها البغدادي, اكتسبها من خلال انتمائه إلى المدرسة البصرية النحوية.

أثـر المدرسة البصرية في منهجه النحوي:

يتبين مما عرضت أن البغدادي, ابتداء من موقفه وتشدده في شروط السماع وتوسعه في القياس , وانتهاء بشـيوخه إنه بصري النزعة, فكراً وثقافة ومقاييس علمية , وإن مخالفته حيناً لآراء البصريين لا يدل على انتمائه لغير هذه المدرسة التي تتلمذ فيها واخذ نظرياته في السماع والقياس والعلة والتعليل والعامل.

هذه المخالفة من دلائل قدرته في اتخاذ الرأي المستقل والقوة في الشخصية ولا يخرج به عن مدرسته البصرية، إضافة إلى أنها ظاهرة طبيعية ليست مقصورة على أبي البركات، فقد خالف سيبويه أستاذه الخليل, وخالف المبرد أستاذه سيبويه[69]. وإذا تتبعنا أثر المدرسة البصرية للمسنا أن صلته وثيقة بها من خلال:

1- تعليقه على مصنفات أبي علي الفارسي وتدريسه لتلاميذه في المدرسة النظامية[70].

2- إعجابه وتأثره بنحو وأركان المدرسة البصرية, والتي اتسمت فيما بعد بخصائص مميزة في التفريعات والتفصيلات في الأصول, على يد ابن السراج وأبي علي الفارسي والتي سماها المحدثون (المدرسة القياسية) , فقد وصف صاحبنا أبا علي الفارسي بأنه" من أكابر أئمة النحو... وابن جني بأنه حذاق النحاة... وابن السراج بأنه أحد أئمة النحو المشهورين وبأنه كان ثقة"[71].

3- تأثره بسمات المدرسة القياسية وهذا ما نجده عند البغدادي من خلال:

أ ـ الإستقلال الفكري، ويتجلى في رغبته بالتجديد والحرص الشديد في الإابتكار والإبداع وبهذا الدافع صنف كتبه المعروفة في الأصول والاختلاف.

ب ـ التفرد في معالجة المسائل النحوية واتخاذ الموقف المتميز.

ج ـ الجدة في العرض والمعالجة وأساليب التصنيف (الترتيب والتبويب).

د ـ اتساعه في القياس حتى جعله دأبه , قال: " إن انكسار القياس في النحو لا يتحقق لأن النحو كله قياس "[72].

هـ ـ الإستعانة بالمنطق في طرح المسائل واستخلاص القواعد والموازنة بين الآراء , قال: " الإبتداء يعمل في الخبر عند وجود المبتدأ لا به , كمـــا أن

النار تسخـن الماء بواسطة القدر والحطب فالتسخين إنما حصل عند وجودهما لا بهما لأن التسخين إّنما حصل بالنار وحدها فكذلك ها هنا الابتداء وحده هو العامل في الخبر عند وجود المبتدأ إلا أنه عامل معه لأنه اسم والأصل في الأسماء ألا تعمل "[73].

يتبين مما عرضت أن البغدادي اتبع في دراسته النحوية منهجاً مستقلاً, فهو ينظر ويعتمد الأقيسة المنطقية. والأدلة العقلية في عرضه للمسائل النحوية مقتبساً خصائص المدرسة البصرية مستفيداً من أدائها وخلافاتها مع الكوفيين, مستعينا بالمنهج الفقهي في التصنيف والتقسيم, واكتفي بدليلين على تأثر أبي البركات البغدادي أو الانباري بالآراء البصرية:

الأول: ما قاله الدكتور فاضل السامرائي: " ولهذا لا أستطيع أن أتصور ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن الأنباري صاحب (الأنصاف) كان بغداديا وهو الذي ألف كتابه المذكور آنفاَ لتأييد البصريين ووافقهم في عامة المسائل النحوية الخلافية ولم يخالفهم إلا في تسع مسائل من مجموع (121) مسالة , ولا أدري كيف يمكن أن يعدّ مثل هذا الرجل بغدادياً وآراؤه البصرية واضحة بينة"[74].

الثاني: استشهاد سيبويه بقول عقيبة بن هبيرة الأسدي:

معاوي اننا بشر فأسجح فلسنا بالجبال ولا الحديدا

على جواز الإجراء على الموضع، فإن قوله (الحديدا) معطوف على محل المجرور قبله في قوله (بالجبال) لأن الباء زائدة. وقد خطأه ابن قتيبة في أواخر مقدمة الشعر والشعراء حيث قال: " إن الصواب الجّر كبقية القصيدة "[75]، لكن العلماء المنتصرين لسيبويه وفي مقدمتهم البغدادي في كتابه الإنصاف قالوا: إن البيت روي مع أبيات منصوبة ومع أبيات مجرورة، واستشهاد سيبويه منوط بالرواية الأولى فصح الاعتماد عليه، ولهذا استشهد به الرضي على الكافية[76] .

المصادر والمراجع

القرآن الكريم ـ رواية حفص عن عاصم، وزارة الأوقاف، العراق 1979.

1-, الأدب العربي ـ المستشرق هـ. أ. جب , ترجمة كاظم سعد الدين، القاهرة (د.ت).

, أسرار العربية ـ ابن الأنباري , تحقيق محمد بهجت البيطار مجمع اللغة العربية، ط1, دمشق , 1957م.

3-, ابن جني النحوي ـ د. فاضل السامرائي , دار النذير للطباعة والنشر ـ بغداد , 1969 م.

4-, أنباه الرواة على أنباه النحاة ـ أبو الحسن القفطي (ت 646 هـ) , تحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم , ط1 , مطبعة دار الكتب المصرية , القاهرة , 1950.

5-, الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين ـ ابن الأنباري , تحقيق محيي الدين عبد الحميد , دار الفكر، بيروت.

6-, إيران ماضيها وحاضرها ـ دونالد ولبر , تحقيق عبد المنعم محمد حسين , مكتبة مصر, القاهرة , 1958م.

7-, البحث النحوي عند العرب ـ أحمد مختار عمر , بيروت , 1972م.

8-, البداية والنهاية ـ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي (774هـ) , دار الفكر , (د. ت).

9-, بغية الوعاة ـ السيوطي , تحقيق محمد أبو الفضل , مطبعة عيسى الحلبي , ط2 , دار الفكر, بيروت ,1972م.

10-, تاريخ العراق في عصر السلاجقة ـ حسين أمين، المكتبة الأهلية، 1965.

11-, خزانة الأدب ـ البغدادي (ت 1097ه)، تحقيق عبد السلام هرون، دار الكتاب العربي، القاهرة 1968.

12-, روضات الجنات في أصول العلماء والسادات - الخوانساري , مؤسسة إسماعيليان , طهران، 391 هـ.

13-, شذرات الذهب في أخبار من ذهب ـ أبو الفرج عبد الحي ابن العماد الحنبلي (1089) , دار المسيرة، بيروت , 1979 م.

14-, الشعر والشعراء - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق أحمد شاكر، دار المعارف (د. ت).

15-, طبقات الشافعية - جمال الدين أبو محمد الأسنوي (772 هـ) مطبعة رئاسة ديوان الأوقاف،

بغداد 1970.

16-, طبقات النحويين واللغويين - ابن قاضي شهبة (851 هـ).

17-, العبر في خبر من غبر ـ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي , تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول , مكتبة دار الكتب العلمية , بلاط , بيروت (د. ت).

18-, فوات الوفيات - محمد بن شاكر الكتبي , تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد , مصر, 1951م.

19-, الكامل في التاريخ - ابن الاثير، دار صادر، بيروت، 1979 م.

20-, كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ـ حاجي خليفة , طهران , 1957 م.

21-, لمع الأدلة في وجوه النحو- ابن الأنباري , تحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني , مطبعة الجامعة السورية ,1957م.

22-, المدارس النحوية ـ شوقي ضيف , دار المعارف , مصر , 1968 م.

23-, مرآة الجنان وعبدة اليقضان ـ عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي (768 هـ) , حيدر آباد , (د. ت).

24-, مقدمة الاغراب في جدل الاعراب ـ ابن الانباري , تحقيق الأستاذ سعيد الأفغاني , دار الفكر , بيروت، 1971م.

25-, المنتظم في تاريخ الملوك والأمم - لأبي عبد الرحمن بن علي الجوزي (597هـ) , الدار الوطنية، بغداد , 1990م.

26-, نزهة الألباء ـ أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنباري , تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم , دار النهضة , مصر للطباعة والنشر , 1967 م.

27-, هدية العارفين ـ إسماعيل باشا البغدادي ذيل كشف الظنون , ط3 , 1955 م.

28-, وفيات الاعيان - ابن خلكان أحمد البرمكي، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت،1970م.

الهوامش




[1] 1) ينظر: الكامل - ابن الأثير، 9 /626- 628.

[2] هو ابو علي الحسن بن اسحق بن العباس وزير السلطان ألب أرسلان وولده السلطان ملكشاه، قتل سنة 485 هـ وهو منشىء المدرسة النظامية - الذائعة الصيت - في بغداد. ينظر: وفيات الأعيان،ص.

[3] ينظر: تاريخ العراق في عصر السلاجقة - حسين أمين، ص16.

[4] ينظر: تاريخ العراق في عصر السلاجقة - حسين أمين، ص16.

[5] تاريخ العراق في عصر السلاجقة – حسين امين، ص18.

[6] ينظر، تاريخ آل سلجوق - البغدادي، ص 54.

[7] أدب العرب - مارون عبود، ص278. ينظر: تاريخ الحضارة الإسلامية في العصور الوسطى - عبد المنعم ماجد، ص151.

[8] ينظر، المنتظم – ابن الجوزي، ص 64.

[9] لأدب العربي - المستشرق هـ.أ ترجمة كاظم سعد الدين، ص 115

[10] أنباه الرواة على أنباه النحاة -أبو الحسن القفطي 2/165.

[11] هدية العارفين -إسماعيل البغدادي، ص519.

[12] أنباه الرواة على أنباه النحاة -أبو الحسن القفطي 2/165.

[13] المصدر نفسه 2/166.

[14] ينظر، طبقات النحاة واللغويين -ابن قاضي شهبة، ص362.

[15] مرآة الجنان -اليافعي 3/408.

[16] بغية الوعاة - السيوطي 2/86.

[17] بغية الوعاة - السيوطي 2/86.

[18] أنباه الرواة - القفطي، ج2/ ص169.

[19] 2) البداية والنهاية - ابن كثير، 12/331.

[20] الطبقات - ابن القاضي شهبة، ص364.

[21] نزهة الألباء - ابن الأنباري،ص 221

[22] نزهة الألباء - ابن الأنباري،ص 221

[23] نزهة الالباء - ابن الانباري، ص 10.

[24] كشف الظنون - حاجي خليفة ، ص228. ينظر:البغية- السيوطي،3/ 87 . ينظر:طبقات الشافعية - الأسنوي ، ص55.

[25] الخوانساري ـ روضات الجنا ت ـ 1/409.

[26] الطبقات - ابن قاضي شهبة، ص364.

[27] الكامل - ابن الأثير، 1/477.

[28] وفيات الأعيان - ابن خلكان، 3/139.

[29] أنباه الرواة -القفطي، 2/170.

[30] العبرفي خبر من غبر- الذهبي، 1/230.

[31] طبقات النحويين و اللغويين - ابن قاضي شهبة، ص363.

[32] شذرات الذهب - ابن العماد، 4 / 258.

[33] مقدمة الاغراب في جدل الأعراب -ابن الأنباري، ص22.

[34] الإنصاف في مسائل الخلاف - ابن الأنباري،2/647.

[35] فوات الوفيات – الكتبي، المجلد الثاني، ص 262، 292.

[36] كشف الظنون – حاجي خليفة ص220،118

[37] أسرار العربية ، أبو البركات الأنباري، 1/ 28

[38] المصدر نفسه، 1 / 83.

[39] سورة الفجر، آية 30 ـ 31.

[40] طبقات الشافعية ـ الأسنوي 1/67. ينظر: فوات الوفيات ـ الكتبي، ص292.

[41] أنباه الرواة – القفطي , 2/ 171.

[42] سورة الأنعام، آية 75.

[43] سورة الصافات، آية 103.

[44] سورة الزمر، آية 71.

[45] الانصاف في مسائل الخلاف،ابو البركات الانباري 1/146.

[46] الانصاف في مسائل الخلاف،ابو البركات الانباري 1/245.

[47] اسرر العربية - ابو البركات الانباري 1/28.

[48] المصدر نفسه 1/170.

[49] المصدر نفسه 1/181.

[50] اسرر العربية - ابو البركات الانباري 1/186.

[51] المصدر نفسه 1/85.

[52] الانصاف في مسائل الخلاف - ابن النباري، 1 / 46.

[53] أسرار العربية - ابن الأنباري، 1 / 44 .

[54] سورة هود، اية 8 .

[55] سورة المائدة، اية 119.

[56] الانصاف في مسائل الخلاف 1/164.

[57] سورة البينة ،آية 1

[58] الانصاف في مسائل الخلاف - ابن الأنباري، 2 / 608 .

[59] المصدر نفسه 2/ 405

[60] المصدر نفسه 1 / 121

[61] المصدر نفسه 1 / 131

[62] المصدر نفسه 1 / 239

[63] المصدر نفسه 1 / 249

[64] أسرار العربية – أبو البركات الأنباري 1/102.

[65] المصدر نفسه 1 / 125.

[66] الإنصاف في مسائل الخلاف 1/6.

[67] نزهة الالباء - ابن الانباري ، ص 406 .

[68] لمعة الأدلة - ابن الانباري، ص 44.

[69] ينظر : البحث النحوي عند العرب - احمد مختار عمر ، ص151.

[70] المدارس النحوية - شوقي ضيف، ص278.

[71] نزهة الالباء - ابن الانباري، ص 315.

[72] لمع الادلة - ابن الانباري , ص44.

[73] الانصاف في مسائل الخلاف - ابن الانباري ، 1/47 .

[74] ابن جني النحوي - د. فاضل السامرائي ، ص255 .

[75] الشعر والشعراء – ابن قتيبة ، ص .

[76] خزانة الادب ، شاهد 117 .

 

 

المشاهدات: 8350